بيروت، ١٩٢٢
الفصل الأول
المكتب
من المستحيل اليوم تخيل مشهد في لبنان لا يتخلله عدد من مكاتب السمسرة، التي تهدف إلى جلب العاملات من دول جنوب العالم إلى لبنان. هذه المكاتب لديها ترخيص رسمي من الدولة لتولي العملية برمتها من التوظيف إلى ترتيبات السفر وصولاً إلى أماكن إقامة النساء عند وصولهن لأول مرة إلى لبنان. بل ويُطلب من أصحاب المكاتب هذه حتى التوسط في النزاعات بين العاملات وأصحاب عملهن، أو التدخل عندما يتعين اللجوء إلى القانون لأي سبب من الأسباب. وباختصار فإن هذه المكاتب وجدت لتلبية العرض لسلعة يوجد طلب كبير عليها. إنها سوق تتم فيها المعاملة (الخالية من التكافؤ) بين صاحب العمل والعاملة، كما أنها تساعد في تشكيل السوق للعمال بشكل عام.
لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف نما هذا السوق إلى ما هو عليه اليوم وكيف توسعت الانتماءات الطبقية لمن يوظفون العاملات المنزليات؟ هنا سنقوم بنقل هذا التاريخ عبر قصص تسرد من وجهة نظر سمسارين عاملين في استقدام العاملات: سلمى وزين. معاً تغطي قصصهم فترة زمنية تمتد لقرن، منذ أوائل العشرينات من القرن الماضي - أي قبل أن يصبح لبنان دولة مستقلة وقبل وجود أي مكاتب سمسرة رسمية فيه - وحتى اليوم. وعبر عيني سلمى وزين سننظر ليس إلى تاريخ لبنان المضطرب ونموه السريع وحسب، ولكن أيضاً إلى المخاطر الشخصية التي تحيط بالقائمين على سوق العمالة الأجنبية.
الجزء الأول
«السّت سلمى»
بحث
جنان داغر
ماهر أبي سمرا
كتابة
سمر دلكي
كولاج
لينا مرهج
بدأت «الستّ» سلمى عملَها في المنازل طفلةً في التاسعة من عمرها، واستمرت كذلك لـ ١٥سنة. قامت عام ١٩٥٨ بفتح مكتب لتسويق العاملات المنزليات في شارع بدارو ببيروت. أحد أقربائها روى لنا نبذًا من حياتها، وقد أضفْنا إليها في سيرتها التالية شهادات لأصحاب مكاتب استقدام عاملات منزليات عاصَرْنها، وشهادات نساء لبنانيّات كنّ يعملْن خادمات منازل في الفترة ذاتها. قصّة سلمى هي قصَّة التحول من سوق عمالة منزلية غير منظم، يقوم على شبكات اجتماعية غير رسمية (بما في ذلك بعض المؤسسات الدينية)، إلى سوق عمالة منزلية «رسمي»، يرتكز على «مكاتب الخدم» التي تمَّ تشريعها في أواخر الخمسينيات.
ولدتُ عام ١٩٢٤ في منطقة الكرنتينا ببيروت. سماني والداي «سلمى» على اسم خالتي، التي توفّيت في الخامسة من عمرها فقط. كنتُ الثانية بين أطفال ستّة، وكان لديّ شقيق يكبرني سنًّا، وشقيقة وثلاثة أشقّاء يصغرونني. عمل والدي حمّالًا بمساعدة أحد أقربائه في مرفأ بيروت، التي انتقل في السادسة عشرة من عمره للعيش فيها من حيث وُلد ونشأ في قريّة جنوب لبنان بحثًا عن عمل يعتاش منه. أمّا والده، جدّي، فقد كان مزارع تبغ. في سنّ الـ١٨ تزوّج والدي ابنة خاله ذات الـ١٧ سنة من العمر. انتقل الزوجان سريعًا إلى كوخ صغير في الكرنتينا على مقربة من المرفأ، وهناك ولدْتُ وإخوتي وترعرعنا جميعًا.

عندما كنت في التاسعة من عمري، في سنة ١٩٣٣، قرّر والدي إرسالي إلى دار للأيتام، بعد أن كان أوصى جدي بتشغيل شقيقي الأكبر معه في حقول التبغ. في ذلك الزمن، كان شائعًا أن ترسِل العائلاتُ الفقيرة أولادها إلى دور أيتام ولو كان الوالدان على قيد الحياة، وخصوصًا البنات، وكان الدافع إلى قرارات كهذه اقتصاديًّا بحتًا على الدوام. كان دير اللعازارية في وسط بيروت هو الميتم الذي أرسلوني إليه، وكانت تديره الراهبات.
لم تطل إقامتي في الدير، فبعد شهر واحد قرّرت الراهبات إرسالي للعمل كخادمة في أحد منازل الأثرياء في بيروت. كان مصير أكثر نزيلات الدير آنذاك، يتيماتٍ كنَّ أو غير يتيمات، أن يُرسَلن للعمل خادمات، وبخاصة إذا كانت أعمارهن تتراوح بين الـ٧ والـ١٢ سنة. كانت علاقات عامة واسعة تربط الراهبات بالمجتمع البيروتي، ولذلك كان سهلًا عليهن العثور على أسر تحتاج إلى خادمات. كان ذلك بمثابة اتفاق تجاري متبادَل: تخلّصَ منّي والداي كي لا يتحمّلا مسؤولية إبقائي على قيد الحياة، وتخلّص منّي الميتم كي لا يتحمّل تكلفة إطعامي، من دون أن يعني ذلك تخلّي الراهبات عن مسؤوليتهن عنّي: فقد سلّموني إلى طرف آخر مثل سلعة مؤجَّرة بعقد، فيما اسْتَمْرَرْن بمراقبة طبيعة عملي ومكانه عن كثب.
خلال السنوات الثماني اللاحقة، عملْتُ لدى خمس أسر مختلفة في مناطق مختلفة من بيروت، وكانت الراهبات هنّ اللواتي ينقلنني دومًا من منزل إلى آخر. أذكر بوضوح شديد المنزل الأول الذي عملت فيه. كان فيلا من فيلات الأشرفية، ذا حديقة واسعة وغرف ضخمة، زجاج نوافذه ملوَّنة، وسقوفه مرتفعة. كنتُ طويلة القامة وقويّة البنية بالنسبة إلى عمري، ما أفادني كثيرًا في عملي: تنظيف المنزل، حمل الأغراض، المساعدة في المطبخ، غسل الملابس، الترتيب... وغيرها، ولذلك أحبّتني العائلة سريعًا، وأطلق أفرادها عليّ لقب «الطويلة»، وكانوا في بعض الأحيان يسمونني «سلمى الطويلة».
كنتُ واحدةً مِن ستِّ خادمات في المنزل، ثلاثٌ منهن كنّ مِن عمري تقريبًا، فيما اثنتان تكبرانني بحوالى سبع سنين. كانت الفتيات من منطقة كسروان في جبل لبنان، وكنا نتشارك جميعًا غرفة واحدة في الطابق السفلي مِن الفيلا، بالإضافة إلى فوزية، طاهية الأسرة الأربعينية العاملة في الفيلا مذ كانت في السابعة من عمرها. شغلت فوزية موقعًا فريدًا في المنزل: فمن جهةٍ كانت تُعتبر كأحد أفراد العائلة، تجلس معهم لشرب القهوة الصباحية وترافقهم في نزهاتهم وتشاركهم طعامهم، ومن جهة أخرى كان مصيرها في العمل قد بات شبه محسوم بمقدار أكبر بكثير من مصيرنا، ففيما كنّا نجهل ما الذي يحمله إلينا المستقبل، كان مستقبل فوزية واضحًا وحتميًّا: ستظلّ تعمل في مطبخ العائلة ذاتها إلى حين مماتها. وبالفعل، توفيت فوزية في ذلك المنزل عام ١٩٦٧ جرّاء ذبحة قلبيّة، ودُفِنَت بمحاذاة مقبرة العائلة.
كانت زميلاتي الأخريات قد أُرسلن إما من أحد دور أيتام لبنان مثلي، وإمّا أتين مباشرة من قراهن إلى منازل العائلات البيروتية الكبرى، عبر «سماسرة» الخدمة المنزلية في بيروت، الذين كانوا يقصدون القرى اللبنانية عارضين على الأسر الفقيرة إرسال بناتها للعمل في العاصمة، مقابل أن يقتطعوا حصة صغيرة من مبلغ "الصفقة" لأنفسهم، وفي حال الموافقة كانوا يأخذون الفتيات إلى المنازل لقاء مبلغ من المال يتقاضونه من أصحابها مرّة أخرى. أتذكّرُ واحدًا من أولئك «السماسرة» كان يمرّ مِن حين لآخر بأحد المنازل التي كنت أعمل فيها لتفقّد أحوال مريم ونجاح، وهما شقيقتان من قرية ميروبا في كسروان كانت عائلتهما قد أرسلتهما للعمل في بيروت، وكانتا تذهبان معه مرّتَيْن في السنة تقريبًا لزيارة عائلتهما.
ثمّة فتاة واحدة أذكر أنها كانت يتيمة فعلًا، أو أقلّه لم تكن تعرف شيئًا عن والدَيها. لم تكن تملك شهادةَ وِلادةٍ، ولا تحمل بالتالي أوراقًا ثبوتية. عملنا فترةً في المنزل ذاته قبل أن تهرب، ومنذئذٍ لم يعلم أحدٌ عنها شيئًا. كانت يومذاك في الخامسة عشرة من عمرها، وسرت شائعات عن أنها فرّت برفقة واحد مِن الشّبان الذين كانوا يوصلون الخضار إلى المنزل، وأن المطاف انتهى بها إلى العمل في البغاء وتعاطي المخدرات.
كان مصير فتيات أخريات أتذكرهّن أفضل. بعضهن أُرسِلن مثلي من منزل إلى آخر قبل أن ينتهي بهن الأمر إلى الزواج، وثمة أخريات بقين في المنزل ذاته فترات طويلة فنشأ بينهن وبين أرباب العمل نوع من الرابط العائليّ، إلى أن تزوّجن هنّ أيضًا وتركن المنزل، غير أنهن ظللن بطريقة ما، ولبقيّة حيواتهن، جزءًا مِن الأسر اللواتي عملن لديها.
خلال عملي في الخدمة المنزلية كنت أرى أفرادًا من عائلتي من فترة لأخرى. كانت أمي أو أختي تأتي لزيارتي في بعض الأحيان؛ وفي أحيان أخرى كان يُسمح لي بالذهاب معهما ساعتَين أو ثلاثًا من الوقت من أجل تناول الغداء أو حضور مناسبة خاصة أو المشاركة بلقاء عائلي ما. كنت أشعر بالغرابة والحرج خلال وجودي النادر معهما، وبأنني لست في مكاني الصحيح فأهُمُّ بالمغادرة في أي لحظة، ليقيني أنّ هذه الزيارات مؤقّتة، وأنّها لن تدوم سوى بضع ساعات وتنقضي، وأنّ محلّي الصحيح هناك، في المكان الآخر.
تعلّمت خلال كلّ تلك السنوات أن أكون خادمة جيّدة. كنتُ طويلة القامة وقويّة البنية، مُطيعةً لأرباب عملي، أؤدّي مهامي ودوري بذكاء. طوّرتُ أيضًا قدرة على المرونة والبقاء هادئة ساعدَتْني على التكيّف مع جميع الأسر والظروف المختلفة التي مرّت بي خلال تلك السنوات. تعلّمت كيف أتشبّه بالأشخاص الذين عملت لديهم: كيف أتكلّم مثلهم، وأتصرّف مثلهم، وأحلّ المشاكل على طريقتهم، وأنظر إلى الأمور من منظورهم. لقد أبعدتُ نفسي أكثر فأكثر عن خلفيَّتي وبيئتي العائليَّتَيْن.
استمرّوا يطلقون عليّ اسم «سلمى الطويلة»، وغالبًا ما كانوا يكملون الجملة بـ«خادمتنا الماهرة القويّة». كانت راهبتان من الدير تأتيان بانتظام لزيارة المنزل الذي كنت أعمل فيه لتفقّد أحوالنا، نحن الخادمات، وللمساعدة في حلّ أيّ مشكلة تعترضنا. ولأنّهما لم تسمعا أي شكاوى تتعلّق بي، راحتا تعهدان إليّ مسؤولية حلّ المشكلات الصغيرة في المنزل بنفسي: التوسّط في أي خلافات بين الخادمات، أو بين العائلة والخادمات، والتأكّد من سلاسة عمل الخادمات في المنزل ورضى المعنيين جميعًا عنهن، ضمانةً لاستمرارية «صفقات» الراهبات بتوفيرهن خادمات ماهرات للأغنياء، صفقات لم تكن تؤمِّن لهن ربحًا ماليًّا مباشرًا بل تضمن تبرّعات سخيّة وامتيازات. قمت بدوري على أتمّ وجه، معتمدةً على حسّي الجيّد بالتوازن: مراقبة ما يجري في المنزل عن كثب والبقاء على مسافة من الجميع في الوقت ذاته.
مع بلوغي عامي السادس عشر، كنت قد أتممتُ سنوات سبع من الخدمة المنزلية في خمسة منازل مختلفة. انتقلت من الأشرفية إلى رأس النبع، ثم إلى قريطم، ثم إلى الأشرفية من جديد، ونتيجةً لعلاقتي الجيّدة مع الراهبات عرضْن عليَّ عملًا لدى البعثة البابوية. في السابعة عشرة من عمري عدت إلى كوخ عائلتي في الكرنتينا. كنتُ أُعين أسرتي الصغيرة من عملي وكَدِّ يديّ، وفرضتُ لنفسي موقعًا ومكانة جديدَين في عائلتي الكبيرة: لم أعد تلك الابنة الأكبر التي ينبغي إرسالها للعمل بعيدًا من المنزل، ولا تلك الزائرة التي تأتي من حين إلى آخر لبضع ساعات فحسب، بل غدوتُ «سلمى الطويلة»، الخادمة التي استطاعت ارتقاء السلّم الاجتماعي والاقتصادي.
عند إعلان قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، نزح حوالى ١٠٠ ألف فلسطيني إلى لبنان بحثًا عن ملجأ من ويلات النكبة. كانت مهمّتنا في «البعثة» توزيع المساعدات على هؤلاء النازحين الذين سُمُّوا لاحقًا بـ«اللاجئين». كنت أكسب رزقًا جيّدًا من وظيفتي تلك، كما أنّ عملي كان متوائمًا مع القيم والأفكار التي تشرّبتها من الراهبات: مساعدة الآخرين والانخراط في العمل والأنشطة الخيرية التي يجب أن تبقى أساسيّة طوال حياتي.

من خلال عملي في البعثة البابويّة تعرّفت إلى الزميلين «أبو الياس» و«لطفي». كانا في أواخر الثلاثينيات من عمرهما. أبو إلياس فلسطينيّ من حيفا كان قبل عام ١٩٤٨ يعمل سائق شاحنة لنقل البضائع والأشخاص ذهابًا وإيابًا بين شمال فلسطين ولبنان، ونتيجة ذلك أقام علاقات جيّدة في لبنان. بعد هروبه من حيفا عام ١٩٤٨، عثر مباشرة على عمل في البعثة البابوية. أما لطفي، فكان سوريًّا ولد في لبنان لأمّ لبنانية وأب سوري. كانت أصول عائلته من جهة والده من بيت جن المحاذية لحدود لبنان الجنوبية.
كان هناك عدد لا يحصى من الأشخاص المعوزين بشدة، وليس فقط عشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى لبنان لا يمكلون شيئًا باستثناء الثياب التي على أجسامهم وبضعة أغراض أخرى. كان هناك أيضًا الكثير من العائلات السورية الفقيرة التي تعيش في لبنان وتحتاج إلى المساعدة. كثيرٌ منها كانت على معرفة شخصية بلطفي، ما دفعها إلى التواصل معنا من أجل الإغاثة والدعم. بدأتُ أنا ولطفي وأبو الياس معًا في اتخاذ ترتيبات تتعلّق بالعائلات الفقيرة، ومن ضمن هذه الترتيبات تقديم عروض عملٍ لبناتها القاصرات خادماتٍ في منازل الأثرياء. وهكذا بدأنا العمل سماسرةَ فتيات يافعات للعمل في الخدمة المنزلية لدى عائلات لبنانية ميسورة. معظم تلك الفتيات كنّ من جبل العلويين في سوريا، وبعضهن من المخيمات الفلسطينية المُنشأة حديثًا في لبنان. واصلنا عملنا مع البعثة البابوية بالتزامن مع صفقاتنا الجانبية في «سوقنا الرمادية» المتعلّقة بتأمين خادمات، مستخدمين المكتب ذاته لكلا العمَلَيْن. كانت شبكة العلاقات الواسعة التي أنشأناها مع الأثرياء عبر عملنا في البعثة ذات منفعة مادية كبيرة لنا كسماسرة.
كانت بيروت تعيش في ذلك الزمن فترة من التحديث والتطوير يعود الفضل الأكبر فيهما إلى توسيع المرفأ، ما انعكس نموًّا سريعًا للطبقتَين الوسطى والعليا، فازدادت الحاجة إلى العاملات المنزليات. في عام ١٩٥٢، ترك أبو إلياس البعثة البابوية وبدأ يعمل مع «الأونروا»، فيما اعتنق لطفي الديانة المسيحيّة، وواصلنا نحن الاثنان استقدام فتيات من عائلات سورية فقيرة للعمل في بيروت. كانت تُطلق علينا تسمية «السماسرة»، بينما كان يُشار إلى الفتيات بتسمية «لفاية»، وكنّ بمعظمهن صغيرات السن، تماشيًّا مع تفضيل الأسر خادمات تتراوح أعمارهن بين ٧ أعوام و١٢ عامًا، فالفتيات في هذه الفئة العمرية بالكاد يُلحَظ حضورهن في المنزل، كما أنهن نادرًا ما يتسبَّبن بأي مشكلات، والتحكّم بهن سهل. كنتُ قد تعلّمت كل هذه الأمور من تجربتي الخاصة في العمل خادمة.
عام ١٩٥٨، بعد فترة اضطرابات واقتتال أهلي قصيرة، انتُخِب فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية اللبنانية. بشّرَتْ رئاسته ببداية حقبة جديدة في لبنان، حقبة إصلاح وتحديث للدولة والمؤسسات والمرافق العامة. في تلك الحقبة، الشهابية، افتتحْتُ مرحلة جديدة من حياتي المهنية، أصبحتُ سيّدة أعمال. بفضل مساعدة قريب لوالدتي كان ذا منصب رفيع إلى حدٍّ ما في وزارة العمل، تمَّ تسجيلي رسميًّا «وكيلةً» للعاملات المنزليات في لبنان. من أجل الحصول على تلك الرخصة، توجّب علي وقتها إيداع مبلغ ١٠٠٠٠ ليرة لبنانيّة (أي حوالى ٣٠٠٠ دولار أميركي) في المصرف تحت اسم وزارة العمل. كان ذلك المبلغ كلَّ ما استطعتُ ادّخاره خلال فترة عملي في البعثة البابوية وفي تأمين الخادمات بالشراكة مع أبو لطفي. قالوا لي في الوزارة وقتها إنه في حال إغلاق مكتبي المخصص لاستقدام الخادمات فسيتم إرجاع المبلغ إليّ.
استأجرت مكتبًا في بدارو ببيروت الشرقيّة، وهو حيّ سكنيّ للطبقات الراقية ومقرّ للعديد من المؤسسات الرسمية. بدأت رسميًّا بتوظيف فتيات لبنانيات وفلسطينيات وسوريات ومصريات للعمل خادمات منزليات في بيوت الأسر اللبنانية. وخلال السنوات التالية، ازدهر عملي وتوسّعت شبكة علاقاتي. كنتُ أستقدم بين خمسة إلى عشرة آلاف فتاة في السنة. لكن عملي لم يكن دومًا سهلًا، بل اعترضه العديد من التحديات، أحيانًا مع الموظفين الحكوميين، وأحيانًا أخرى مع الفتيات أو مع الأسر التي توظّفهن. كنت عادةً أحلّ هذه المشكلات بنفسي، وغالبًا ما كان ذلك عبر مفاوضات طويلة وتعويضات ماليّة، مهما كانت طبيعة المشكلة.
خلال السنوات العشر الأولى توسّع قطاع عملنا حتى بات مكتبي واحدًا من حوالى ٨ إلى ١٥ مكتبًا في بيروت، وقد افتُتِحت جميعها في الحقبة الشهابية بين العام ١٩٥٨ وبداية الستينيات. لم تُمهِّد الشهابية الطريق لإضفاء الطابع الرسمي على هذا النموذج من العمل فحسب، وإنّما خَلقت، في خضمّ سعيها إلى التحديث والبيروقراطية، طبقة وسطى جديدة مِن «الخبراء»: مسؤولون حكوميون في القطاع العام الآخذ في التوسّع، مهندسون، أطبّاء، رجال أعمال، محامون... وغيرهم، وهؤلاء جميعهم باتوا يطلبون، بعد أن سمحت مداخيلهم المالية بتحمّل التكلفة، من يهتمّ بشؤون منازلهم وإبقائها نظيفة ويؤمِّن حاجاتها اليومية، ولذلك كان أفراد هذه الطبقة زبائن محتملين لوكالات الخادمات مثل تلك التي كنت أديرها في بدارو.

كان العمل يسير على أتمّ وجه، إلى حدّ أنّني افتتحتُ عام ١٩٦٦ مكتبَيْن صغيرين آخَرَيْن بالقرب من بدارو أَوْكَلْتُ إدارتها إلى اثنَين من أبناء أختي. كانت تلك سنواتي الذهبيّة، التي ربطتني فيها علاقات بأشخاص من جميع شرائح المجتمع، بما في ذلك مسؤولين كبار في الدولة، كانوا جميعهم يعتمدون عليّ لتأمين فتيات يافعات للعمل في منازلهم. وقد تمكّنت من خلال علاقاتي هذه أيضًا من مساعدة أقاربي في تولّي مناصب حكومية وإدارة أعمالهم وشركاتهم الخاصة.
كان عملي في المكتب يقوم بشكل خاص على الترحيب بالزبائن وفهم احتياجاتهم، كما التعاقد مع فتيات جديدات والتواصل مع سماسرتي في المناطق المختلفة التي كنّا نستقدم منها الفتيات. كان لديّ سماسرة في جبل محسن بطرابلس، في عكار، في سير الضنيّة، كما في جبل العلويين بسوريا. كان الآباء هم حصرًا من يُحضرون إليّ بناتهم، في مشهد يشبه بعضَ الشبه تسليم والدي إياي إلى الميتم قبل ثلاثين عامًا، مع اختلاف تمثّل في أن الأمور كانت قد تغيَّرت منذ ذلك الزمن وأضحت رسميّة أكثر: صرت أبرم دائمًا عقدًا رسميًّا مع الوالد، صالحًا لثلاث سنوات وقابلًا للتجديد، وكنت أملك الحق الحصري خلاله في إرسال الفتاة إلى أيّ عائلة تحتاج إلى خادمة في لبنان.
وبالرغم من أن تسيير الأعمال اليومية كان يستغرق معظم أوقاتي، إلا أني كنت أضطرّ أحيانًا للسفر إلى سوريا لمراقبة سير الأعمال هناك، وللتواصل مباشرة مع سماسرتي في تلك القرى البعيدة، ولمحاولة اكتشاف قرى جديدة يمكن استقدام فتيات منها. كنت أبيت ليلة في منزل إحدى سماسرتي النساء، أمّ سميح، ثم أتابع طريقي إلى جبل العلويين ثمّ إلى حلب، التي كنت أستقدم منها فتيات ماهرات في طبخ الأطباق التي تشتهر بها تلك المحافظة. وكنت أحيانًا أعرِّج من حلب إلى حمص.
كانت الرحلات الضرورية لعملنا إلى سوريا قد بدأت بالتعقّد في السبعينيات بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة وفرضه التعليم الإلزامي للفتيان والفتيات، وشموله بالتالي تلك الفئة الصغيرة الأعمار التي كانت محور عملنا الأساسي. ومن أجل المحافظة على استمرارية عملي، اضطررت وسماسرتي ذوي العلاقات الواسعة في سوريا إلى التفكير في حلول للالتفاف على القوانين الجديدة، فتوصلنا إلى قرار بتهريب فتيات عبر النهر الكبير الحدودي، كما قمت، للتعويض عن الجهة السورية، بتوسيع شبكة علاقاتي بغية استقدام المزيد من الفتيات المصريات والكرديات، فتمكّنتُ في سنوات تلت من الإبقاء على أعداد الفتيات مساويًا للسنوات السابقة.
ذات مرّة، في أوائل السبعينيات، احتُجِزتُ في إحدى قرى جبل العلويين السورية بتهمة استقدام فتيات من القرية بشكل غير قانوني. اتّصلت سريعًا بسمساري الذي كانت تربطه علاقات جيّدة بأجهزة الأمن السورية، فأُفرج عنّي بعد بضع ساعات فقط.
لم يبدأ عملي ينهار إلا بعد عام ١٩٧٥، عندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، حين بدأ الناس يبدون حساسيّة تجاه مسألة الاختلاف الطائفي، وأضحَوْا أكثر عدوانية تجاه السوريين والفلسطينيين. صار من غير المحتمل أن تَستقدِم عائلةٌ خادمةً من طائفة أخرى، ناهيك عن فتاة سورية أو فلسطينية، وسرعان ما نشأ سوق جديد للخادمات، يعتمد بشكل متزايد على استقدام فتيات من بلدان آسيوية، مثل سيريلانكا. لقد تراجع عملي بشكل حادٍّ ومفاجئ، وبحلول عام ١٩٧٧، بتُّ لا أستطيع الإبقاء على مكاتبي الثلاثة. بعتها جميعًا وعشت عشر سنوات أخرى في بدارو حيث كنت قد اشتريت منزلًا في عام ١٩٦٢، ثم توفِّيتُ في عام ١٩٨٥.
الجزء الثاني
زين والخادمات
من الجنوب إلى الضاحية فبيروت
بحث
ماهر أبي سمرا
كتابة
محمد أبي سمرا
«فُقَراءَ كنا بكل ما في هذه الكلمة من معنى»، قال زين في مستهل روايته سيرته العائلية والمهنية، معانقًا حاضره وماضيه، وتاركًا للمستمع تخمينَ ما قد يعتريه من مشاعر مضطربة حيال اعترافه هذا، الذي تختلط فيه سخريتُه واعتزازُه بنفسه، تشوبهما وخزة ألم ورضى، مع يقينه بأن مصادفات الحياة ومقدرته على الخوض فيها هما ما أديا إلى الارتقاء بأحواله المادية والاجتماعية من الفقر المقيم في ستينيات القرن العشرين ومطلع تسعينياته، في قريته الجنوبية الحدودية شقرا ثم في ضاحية بيروت الجنوبية تاليًا.
كفاف العيش
ولد زين سنة ١٩٦٥ من زواج والده الأول، الذي كانت ثمرته مع زواجه الثاني ١١ ولدًا، ثمانية صبيان وبناتًا ثلاث، ولدوا كلهم في شقرا. في تاريخ الاجتياح الاسرائيلي الواسع ربيع ١٩٧٨ على مقار «الفدائيين» الفلسطينيين وقواعدهم ومعسكراتهم، وصولًا إلى مجرى نهر الليطاني في لبنان الجنوبي. كان زين تلميذًا في الصف الثالث من مرحلة التعليم المتوسطة في مدرسة قريته الرسمية التي كان يتوزع في صفوفها إخوته وأخواته أيضًا.
أما مصدر معاش العائلة الكبيرة، فكان الزراعة البسيطة، فإلى جانب البصل والثوم كان أبناؤها مع أمهم يزرعون أرضهم قمحًا يحصدون مواسمه ويطحنونه دقيقًا للخبز، ويجرشون منه برغلًا للطبخ، ويقطفون ثمار الرمان واللوز الأخضر ويبيعونها مع ما يصنعونه من الرمان شرابًا. ولكثرة أبناء العائلة، وتوفيرًا لوقيد الحطب، كانت الأمُّ تخبز ١٣ أو ١٤ رغيفًا من الخبيز المرقوق على صاج مركوز فوق وعاء معدني كبير تشتعل تحته نيران الحطب، فيما يتصاعد منه بخار يُحمي الصاج جرّاء غليان الماء في الوعاء بثياب العائلة المتسخة، قبل أن تغسلها الأم بيديها.
كان أيٌّ من الأولاد عندما يحصل على قروش خمسة «فرنك» في اليوم تغمره فرحة كبيرة، إلا أنها لا تدوم، كفرحتهم بزجاجة البيبسي كولا أو الآرسي التي يشترونها بتلك القروش، عندما ينفد محتواها الغازي سريعًا إثر مداورتهم على مصه بطيئًا، بعد ثقبهم سدادتها أو كبسولتها المعدنية بمسمار ثقبًا شديد الضيق.
هجرات
هذه كانت حال عائلة الفتى الراوي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، قبل أن يتوقف نمط عيشها ذاك غداة الاجتياح الاسرائيلي الواسع التي شملت شقرا ربيع ١٩٧٨ وكان والد زين يتوقع حدوثها، فغادر الجنوب على عجلٍ إلى بيروت تاركًا عائلته في القرية التي نزح أكثر أهلها أثناء الاجتياح. لم يلبث الأولاد طويلًا حتى لحقوا والدهم إلى بيروت فور علمهم بأن جنودًا إسرائيليين يسألون عنهم في بيوت أهليهم، وهناك في ضاحيتها الجنوبية مكثوا مدة في بيوت أقاربهم، قبل أن يصطحب والدُهم زين واثنين من إخوته في سيارته إلى الكويت للعمل. بعد عودة الوالد وحده إلى لبنان استأجر في بئر العبد، (الضاحية الجنوبية لبيروت) قرب بيت شقيقته، محلًّا جعله واثنين من أبنائه ورشة لتغيير زيوت السيارات وإصلاح دواليبها، أما إخوة الهجرة الكويتية الثلاثة، ومنهم زين، فأقاموا هناك عند عمهم المتزوج من امرأة كويتية.
حاولوا في البداية متابعة تعليمهم، لكن مدارس الكويت رفضت تسجيلهم إلا في صفوف أدنى بسنوات دراسية ثلاث من الصفوف التي كانوا أنهَوْها في مدرسة شقرا الرسمية، لذا عزفوا عن الدراسة والتحقوا بما تيسّر من الأعمال المتوافرة لأمثالهم من المهاجرين، فكان نصيب زين العمل في محل ابن خاله لتصليح أجهزة التلفزيون والراديو. لكن الإخوة الثلاثة عادوا بعد سنة ونصف السنة إلى لبنان خائبين، وكانت عودتهم مع أبيهم في السيارة نفسها التي أقلّتهم في مشوارهم الأول بعد أن قادها والدهم إلى الكويت لإعادتهم. في ورشة تغيير زيوت السيارات انخرط الإخوة في العمل، مستفيدين من تزايد أعداد مقتني السيارات المستعملة في السوق اللبنانية إبان الحرب، وتوسُّع شبكات مستورديها بحرًا من الأسواق الأوروبية، في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي، صيف عام ١٩٨٢، الذي بلغ العاصمة بيروت.
وزير المستندات «الغامضة»
فجأة، اتخذت رواية زين طابعًا كاريكاتوريًّا ينطوي على سخرية ممّا كان عليه حين تعيين قريبه عبدالله الأمين، الذي يسميه تارة ابن عمنا وطورًا خالنا، وزيرَ دولة ثم وزيرًا للعمل في حكومة رفيق الحريري عام ١٩٩٤. كان زين وبعض إخوته ووالدُه لا يزالون يعملون في ورشة السيارات، وكانت أحوالهم المادية قد تحسنت بعد سنوات عشر على
افتتاحها، فتزوج منهم من تزوج، وتمكنوا من استئجار شقق سكنية في أحياء ضاحية بيروت الجنوبية، واقتنوا سيارات مستعملة، على الرغم من الحرب وجولاتها المتمادية طوال ثمانينيات القرن العشرين، وخسارة العائلة شابًّا من أبنائها «شهيدا» في الجنوب. كان زين وإخوته يستجيبون لرجاء بعض زبائن ورشتهم الطلب من قريبهم الوزير توقيع مستندات ومعاملات، فكانوا يحملونها إلى بيت الوزير فيوقِّعها مرحِّبًا، من دون أن يعلموا كنهها أو يتساءلوا عن موضوعها.
حتى الوزير لم يكن يشرح لهم شيئًا عن هذه المستندات «الغامضة» بالنسبة إليهم، على رغم حملها إلى "الخال" مرات كثيرة، إلى بيته حينًا، وإلى مكتبه في الوزارة حينًا، وإلى بيته في شقرا في عطل نهايات الأسابيع أحيانًا، ثم إعادتها إلى زبائن ورشتهم بعد توقيعها. لم يكن لراوي هذه الوقائع الكاريكاتورية الساذجة أن يقصَّها على هذا النحو لولا يقينُه بداهةً بذلك التواطؤ القرابي وشيوعه، ونصْبُه مثالًا على النجاح المهني، وكأنما مسالكه ومساراته وتعاملاته تشكل على نطاق واسع «ميثاقًا رماديًّا» في إدارة المهن والأعمال.
أخيرًا، اكتشف زين وإخوته أن المستندات والمعاملات التي يوقعها "خالهم" ما هي إلا موافقات مسبقة تطلبها وزارة العمل من الراغبين في استقدام خادمات وتشغيلهن في بيوتهم، ولم يكن أحد منهم قد أبصر قبل هذا -وفق زين- خادمةً قط، سواء في بيت أو شارع، من التابعية اللبنانية كنَّ أو السورية أو التابعيات الأخرى الشرق آسيوية. وعلى رغم أنهم لم يتنبّهوا إلى وجود إحدى تلك الخادمات في بيت قريبهم الوزير، إلا أنهم مذاك "الاكتشاف" في مطلع النصف الثاني من التسعينيات، بدأت تلفت انتباهَهم فتياتٌ ونساء
غريبات وسمر البشرة يعبرْن شوارع الحي أمام ورشتهم، وعلموا بعد الاستعلام عنهن أنهن سيريلانكيات يعملن خادمات في البيوت، فخطر في بالهم أنهن قد يكنَّ من اللواتي وقّع الوزير قريبهم معاملات استقدامهن وتشغيلهن. مع ابن عم لهم انضم للعمل معهم في الورشة، استمر الإخوة في استطلاع وجوه السيريلانكيات العابرات والتفكير في دورهم وسطاءَ بين زبائن ورشتهم ووزير العمل قريبهم، فقرروا زيارته لمشاورته في أمر ذلك الدور. اصطحب زين وابن عمه والديهما إلى منزل الوزير،
الذي شرح لهم مسالك استقدام الخادمات السيريلانكيات ومعاملاته في وزارة العمل، فاقترحوا عليه أن ينشئوا مكتبًا لتخليص مثل هذه المعاملات، طالبين مساعدته في الحصول على ترخيص المكتب من الوزارة، فرحب الوزير قائلًا لوالدي الشابين: طبعًا، من الضروري أن يشتغل الشباب ويطوروا عملهم في هذا المجال، وأنا جاهز لمساعدة شبان العائلة في ذلك.
خواجات في مكتب
جهز زين وإخوته وابن عمه المستندات اللازمة لإنشاء سجل تجاري لشركة استقدام خادمات وتشغيلهن، وفي نهار واحد وقعها قريبهم الوزير، فصار الترخيص جاهزًا نافذًا، من دون أن يدري الإخوة وابن عمهم كيف يبدأون عملهم، فانصرفوا للتعرف إلى المسالك العملية لاستقدام الخادمات من سيريلانكا.
في استطلاعاته، اهتدى زين إلى أحد أصحاب مكاتب تشغيل الخادمات، وقبِل الرجل اصطحابه معه في رحلة إلى كولومبو عام ١٩٩٦. دخل زين المطار للمرة الأولى في حياته، وكان جاهلًا بأمور السفر جهْلَه باللغة الإنكليزية، الضرورية لتفاهمه مع من سوف يتصل بهم ويتواصل معهم في سيريلانكا. في سفرته الأولى والتي تلتها، كان زين يتصرف بلهوٍ ولعب، وكأنه لم يكن مصدِّقًا لما هو مقبل عليه. استأجر لعمله الجديد مكتبًا صغيرًا في الطبقة الأرضية من بناية في بئر العبد لا تبعد كثيرًا من ورشة تغيير زيوت السيارات وإصلاح أعطال دواليبها، وتسكن عمته في طبقتها الأولى. في البداية، لم يسع حتى إلى الحصول على خط هاتفي لمكتبه، بل اعتمد في اتصالاته على هاتف بيت عمته التي كانت تخرج إلى الشرفة وتناديه كلما اتصل به أحد، فكان يصرِّف شؤون مكتبه بهذه الطريقة المتخلّفة، كما كان يُمضي أوقاتًا طويلة في قراءة جريدة تعوّد شراءها كل يوم لأنهم أفهموه أنها من عدة شغله الجديد، تمامًا كثياب عمله الجديد التي لم تعد تلطخها زيوت السيارات فارتاحت أمه من غسلها يوميًّا مع ثياب اثنين من إخوته تركا مثله أعمال الورشة لوالدهم ولاثنين آخرَين من الإخوة.
تكاثر عدد أبناء العائلة والأقارب الذين منحهم وزير العمل تراخيص لإنشاء مكاتب استقدام خادمات وتشغيلهن في بيروت وضاحيتها الجنوبية، إذ كانت المعاملات المطلوبة للاستقدام والتشغيل سهلة الإنجاز وكلفتها المادية متدنية: تتعاون في سيريلانكا شبكة سمساسرة لبنانيين وسيريلانكيين على تأمين تأشيرات للخادمات إلى لبنان من السفارة اللبنانية في كولومبو، وفي بيروت يحصل العاملون في مكاتب تشغيل الخادمات على موافقات مسبقة من وزارة العمل لتشغيلهن.
إضافة إلى تكلفة بطاقة السفر لرحلة واحدة وصولًا إلى بيروت، كانت الخادمة الواحدة في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين تكلِّف مكاتب التشغيل بين ٤٠٠ و٥٠٠ دولار، وكان القيِّمون عليها يتقاضون عند تسليم الخادمة أيًّا من زبائنهم مبلغًا يراوح بين ٨٠٠ و٩٠٠ دولار، على أن يكون أجرها الشهري بين ٨٠ و١٠٠ دولار. لم يكن مطلوبًا بعد ذلك الحصول على إجازات عمل للخادمات من وزارة العمل، ولا على إقامات من الأمن العام، وكانت الغالبية الساحقة من الخادمات من التابعية السيريلانكية.
بعد فترة من اللهو وعدم الجديّة لم تمتدّ طويلًا، بدأ زين وأخوه وابن عمه يتدرّجون في تعلم «أسرار المهنة» في مكتبهم الصغير ببئر العبد، فجنوا أرباحًا لا بأس بها مكَّنتهم من استئجار مكتب آخر أكبر في الطبقة الثانية من بناية جديدة في شارع معوض، الناشئ حديثًا سوقًا «راقيًا» للألبسة الجاهزة، ولسكن الطبقة «الأرقى» في ضاحية بيروت الجنوبية بعد الحرب. بعد مدة قصيرة اختار ابن عم زين التخلي عن الشراكة في المكتب والسفر إلى المانيا للعمل في تجارة السيارات المستعملة، فصار المكتب الجديد والعمل فيه من نصيب الأخوين، اللذين سرعان ما فوجئا في العام ١٩٩٧ بصدور قانون جديد يُلزم أصحاب مكاتب تشغيل الخادمات إيداع مبلغ ٥٠ مليون ليرة لبنانية في مصرف الإسكان، وإلا تُسحب منهم تراخيص تشغيل المكاتب.
استهْوَلَ زين وأخوه حجم المبلغ، الذي لم يكن متوافرًا لديهما، وكي لا يخسرا تراخيص تشغيل مكتبهما سارعا إلى الوزير (الخال أبو زياد) قائلَين: «شو العمل يا خال؟ أعطيتَنا الرخصة من هون ودغري طلّعت قرار يلغيها من هونيك! شو العمل هلق؟ ما معنا مصاري، منين بدنا نجيب ٥٠ مليون ليرة هلق؟!». وجد الخال الحل، فقال للأخوين: أمهلتُ المكاتب شهرًا واحدًا لتسديد المبلغ إلى المصرف، أما أنتما فأمامكما ثلاثة شهور لتسديده.
لم يُرِد الأخوان التفريط بمكتسبهما الثمين المتمثّل في أنهما صارا فعلًا وحقيقةً خارج ورشة تغيير زيوت السيارات.. يعملان بثياب وأيد ووجوه لا تلطخها الزيوت.. يجلسان خلف مكتب نظيف ومن على كرسيٍّ متحرك خلف طاولته يسيِّران أعمالهما عبر البحار بمجرد إجراء مكالمات هاتفية.. لا دواليب يصلحانها أو تغيير زيوت يضطرهما للنزول إلى الجورة والزبائن من فوقهما بعد أن باتا هما من يطلّ من عَلٍ، من شرفة مكتبهما في الطبقة الثانية، والناس تحتهما في الأسفل.. يسافران ويلفّان بلادًا عدة في أرض الله الواسعة.. يريان عالمًا آخر غير عالم الورشة، ودنيا غير الدنيا، وناسًا غير الناس، يحادثانهم.. يتحدثان إليهم بلغة أخرى، وبكلام مختلف تمامًا عن عن كلام زبائن ورشة زيوت السيارات ودواليبها. بعث هذا كله في الأخوين حماسة جسمانية ومعنوية للحفاظ على المكتب وعالمه وترخيصه لضمان استمراره، فقررا العمل بنشاط وجهد مضاعفين لتحصيل مبلغ ٥٠ مليون ليرة لبنانية في ثلاثة شهور، وجمعا أخيرًا من والدهما وعمهما ما ينقصهما لإتمامه، ثم أودعاه مصرف الإسكان وحصلا على شهادة الإيداع تأمينًا للترخيص.
انطلق زين وأخوه في عملهما بعد ذلك انطلاقة جديدة، فأخذاه على محمل الجد والاحتراف هذه المرة. كان والدهما يزورهما في بعض الأحايين مستطلعًا أحوال المكتب ومراقبًا سير العمل.. يستمع إلى أحاديث هذه المرأة أو تلك من الزبونات، وغالبًا ما كان يستاء من تذمراتهن الغاضبة من خادماتهن اللواتي يأتي بهن المكتب، وشكاويهن جهلَهن وسلوكَهن وقلةَ طاعتهن، وخصوصًا عندما يُعلِنَّ الرغبة في استبدال أخرياتٍ بهن بعد أن جربنهن شهرين أو ثلاثًا. وكان غيظ الوالد أشد عندما يستمع إلى شكاوى بعض الخادمات الخائفات المضطربات، ومن «حطام» لغتهن العربية البدائية كان يفهم تعرُّضَهن لعنف مخدومينهن الجسماني والمعنوي، ولحرمانهن من الطعام. كان يكتم غيظه في حضرة الزبونات، لكنه انفجر مرة في وجه إحداهن قائلًا: «مبارح كنتِ جيعانة، واليوم بس صار معك شوية مصاري وشبعتي صرتي تتبغددي، وجبتي خادمة تخدمك حتى أكل ما بتعطيها لتاكل؟!»... «أرجوك، أرجوك، ما تتدخل يا بابا، أرجوك»، سارع زين مقاطعًا والده، ثم تابع: «نحنا هون مش بالضيعة، نحنا بمكتب ببيروت»، بعد أن كانت المرأة قد غادرت لاعنةً الساعة التي ساقتها إلى هذا المكتب.
السوق ومراتبها البلدانية
سهلًا ومربحًا كان العمل في سوق الخادمات السيريلانكيات طوال السنين الـ١٢ الأولى من عمر المكتب، قال زين، لكنه وجد نفسه مضطرًّا إلى تطوير عمله باستقدام خادمات إثيوبيات وبنغلادشيات وفيليبينيات، نزولًا عند رغبة الزبائن وتقلبات السوق وأمزجة اللبنانيين وأهوائهم التي تصاب بعدوى اللهاث والتسابق على كل مستجدّ راهن، ولو في تشغيل الخادمات، الذي بات بينهم كالموضة، التي تجعل جنسية خادمة "موضة قديمة" وجنسية أخرى "موضة رائجة" تناسب مرتبة بعض الناس التي يرون أنها تتطلب خادمات تناسبها وتلائمها، حتى بات كالعرف أن جنسية الخادمة تنطوي على مرتبة مخدوميها. كانت الخادمة السيريلانكية هي الأسبق شيوعًا في السوق اللبنانية في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، لكن الإثيوبية والفيليبينية بدأتا تفضَّلان عليها في دوائر وبيئات واسعة، ولو أن سمعة السيريلانكيات بقيت طاغية على هاتين الجنسيتين، إذ ظلت تسمية أي خادمة تعمل في البيوت بـ"السيريلانكية" تسبق على ألسنة كثير من اللبنانيين في أحاديثهم حتى التصقت بجنس الخادمات عمومًا.
طوّر زين عمله أكثر باستقدامه خادمات من الهند بعد لقائه مصادفة رجلًا هنديًّا في بيروت، فاتفقا على ترويج الخادمات الهنديات في السوق اللبنانية. سافر الهندي إلى بلاده وجمع هناك جوازات سفر كثيرة لمواطنات هنديات وقبض من كل منهن مبلغًا من المال لتسفيرها إلى لبنان، وعندما زاره زين في الهند سلمه هذا العميل المئات من مستنسخات جوازات السفر، لكن زين فوجئ بعد ذلك بأن الأفواج التي وصلت منهن إلى بيروت لم تكن جوازات سفرهن مطابقة كلها للمستنسخات التي بين يديه، فاضطر إلى تشغيل كثير منهن بجوازات سفرِ أخريات. كان زين يحصل مقابل تشغيل كل هندية على مبلغ ٢٠٠ أو ٣٠٠ دولار زيادة على مبلغ تشغيله سيريلانكية، فالهندية -برأيه- تتميز بشخصية قوية في حضورها وعملها، ومرغوبة بقوة من بعض الزبائن، الذين –كما أسلفنا- يتأثرون بشدة بمبدأ التجديد والتمايز اللبناني.



لم يستمر تدفّق الخادمات الهنديات إلى لبنان طويلًا، إذ سرعان ما توقفت السلطات الهندية عن السماح لهن بالسفر للعمل خادمات في الخارج. «لا بد من إثيوبيا وبنغلادش والفلبين»، فكّر زين. ولكن ما أن بدأ تقصِّيه واستطلاعاته في سوق السمسرات اللبنانية - الإثيوبية - البنغلادشية - الفيليبينية ومكاتبها، حتى اكتشف حربًا احتكارية تدور بين أقوياء ونافذين في هذه السوق التي يصعب الولوج إليها واختراقها. رأى أن شبكات السمسرة الاحتكارية وحروبها تخترق الدوائر والهيئات الإدارية الرسمية السلطوية النافذة في إنجاز معاملات الخادمات في كل من لبنان والفيليبين وإثيوبيا، فوزير الخارجية الإثيوبية مثلًا، الرجل الثاني بقوة نفوذه في إدارة الدولة، كان السماسرة في شبكة مكاتب تصدير الخادمات من عملائه، ويتقاضى منهم مئة دولار عن توقيع أي معاملة لتسفير خادمة. أما في بنغلادش، فكان ٣ أو ٤ أشخاص نافذين هم من يوقِّع معاملات تسفير الخادمات، ويتقاضون عن معاملة كل منهن مئة دولار أيضًا.
تصدّرت الخادمات الفيليبينيات نهايةَ تسعينيات القرن العشرين في لبنان قمة لائحة رغبات الفئات المتوسطة والمتعلمة، من أصحاب المهن الحرة والموظفين، واحتياجاتها ومزاجها في الخدمة البيتية، فالخادمة الفيليبينية غالبًا ما تكون صبية متعلمة، ووصلت في بعض الحالات إلى المرحلة الجامعية، وتجيد تقريبًا ونسبيًّا اللغة الإنكليزية، التي صارت متداولة أكثر من الفرنسية في دوائر واسعة من المجتمع اللبناني، إضافة إلى أنها صاحبة شخصية «مستقلة ومتمدنة» تناسب الاحتياجات الجديدة لمخدوميها من الفئات المتوسطة الجديدة، الشابة غالبًا، لتتحول الخادمة الفيليبينية لديهم إلى ما يشبه مديرة منزل، تقوم بالإضافة إلى الخدمات البيتية برعاية الأطفال والتكلم إليهم باللغة الإنكليزية.
الفليبين فرصة للثروة
في العام ٢٠٠١ أتيحت لزين الفرصة الفيليبينية، التي كان سبقه إليها بعضٌ من أصحاب المكاتب المتطورة في مجال الخدمات والذين أصابوا قدرًا من الثراء، إذ تعرَّف في بيروت إلى شخص يملك ابنُ أخته مكتبًا في مانيلا لإرسال الخادمات إلى لبنان، فاتصل به زين هاتفيًّا بناء على توصية خاله، واتفق معه على زيارة الفيليبين، بعدما كان تلقى بعض الدروس في اللغة الإنكليزية خوّلته التحدث بها كما تتحدث السيريلانكيات اللغة العربية، بحيث كان من يسمعه يتحدثها إما يقهقه ضاحكًا أو يكتم قهقهاته الساخرة إذا كان يبغي مصلحة من زين.
في جولاته على مكاتب إرسال الخادمات في مانيلا، تعرف زين إلى امرأة فلبينية مرحة وأنيقة ومنفتحة، فدعته إلى زيارتها في مكتبها، فإذا بها من كبار مصدري الخادمات الفلبينيات إلى دول وجهات شتى من العالم، وإذا بمكتبها مؤسسة كبرى من بنايتين ضخمتين اصطحبته في جولة لاستطلاع دورة العمل فيهما. خُصِّصت إحدى البنايتين لإقامة، بل «تخزين» مئات الفتيات، اللواتي أشبهن الدجاج في الأقفاص، وإذ أبصرن زين يتجول في المبنى صحبة السيدة ماري راحت كثيرات ينادينه: «غود مورنينغ سير، غود مورنينغ»، وكم أخجله وقتها وضايقه مشهدُهن مكدساتٍ مناديات، وكأنهن لسن من بني البشر. أما البناية الثانية التي زارها وجال فيها، فكانت مخصّصة لتدريب الفتيات وتأهيلهنّ وتحضيرهنّ للسفر. أدخلته السيدة ماري إلى مكتب فسيح في مبنى التدريب هذا هو مكتبها المخصص للقاءاتها الأخيرة مع الزبائن والاتفاق معهن على أسماء دفعة الفتيات المنجَزة معاملاتهن لتسفيرهن. في ذلك اللقاء، وقفت السيدة ماري وألقت إلى مجموعة من الفتيات تعليماتها وتوجيهاتها الأخيرة باللغة الإنكليزية. ما استطاع زين فهمه من خطبة السيدة الوداعية في فتياتها، كان قولها لهن: أنتن سفيرات الفيليبين، وعليكن أن ترفعن اسم الفيليبين وشأنها عاليًا في العالم.
أرسلت السيدة ماري إلى مكتب زين في شارع معوض مئات من طلبات الفتيات الفيليبينيات الراغبات في السفر للعمل في لبنان، يتضمن طلب كل منهن صورًا فوتوغرافية للفتاة وصورة عن جواز سفرها، وذلك للحصول من وزارة العمل اللبنانية على موافقات مسبقة لاستقدامهن وتشغيلهن، وبناء على هذه الموافقات التي ترسل إلى مكتب السيدة ماري في مانيلا، لا يتأخر الحصول على تأشيرات سفر للفتيات «المكدسات» في مبنى «تخزينهن» إلى لبنان لـ«رفع شأن الفيليبين عاليًا» أكثر من أيام قليلة. كان زين يعرض صور الفتيات الفيليبينيات على زبوناته في مكتبه ويرغّبهن في اختيار خادمة منهن، وفي حال «تسويقه» عشرًا منهن مثلًا، فإنهم يصلن جميعًا إلى مطار بيروت خلال أيام فقط، ومن دون أي تأخير يُذكر، بخلاف سواهن من الخادمات السريلانكيات والأثيوبيات والبنغلادشيات، اللواتي لم يكن يصل من العشر المختارات منهن إلى المطار سوى ثلاث أو أربع، فيما الباقيات إما عزفن عن السفر، أو بسبب الفوضى وعدم التنظيم اللذين يسودان عمل السماسرة وعملاء المكاتب اللبنانية في هذه البلدان.
كان ما شجّع زين على الانخراط بقوة في السوق الفيليبينية واستقدام أعداد أكبر من الخادمات الفلبينيات وتسويقهن بسهولة، انتظام عمل مكتب السيدة ماري ودقته، على رغم الزيادة الطفيفة في كلفة استقدام الفيليبينيات وفي مرتباتهن الشهرية التي يتقاضينها من مخدوميهم، والتي لا تكاد تساوي شيئًا قياسًا إلى مميزاتهن في العمل المنزلي على سواهن من الجنسيات الأخرى، إضافة إلى دبيب عدوى استخدام الفيلبينيات بين فئات واسعة من اللبنانيين، حتى أن مكتبه أخذ يوزع الفائض منهن على مكاتب أخرى في بيروت وفي بعض المناطق اللبنانية.
أنشأت السيدة ماري موقعًا إلكترونيًّا على شبكة الإنترنت، ونشرت عليه صور خادماتها الجاهزات للسفر والعمل خارج الفيليبين، وأعطت كلًّا منهن رقمًا محددًا، حتى إذا اختار أيٌّ من متصفحي الموقع الإلكتروني خادمةً منهن فإنه يستطيع الاطلاع على معلومات تفصيلية عنها، ليتصل هاتفيًّا بمكتب زين ويحدد رقم الخادمة التي اختارها، من دون حضوره إلى المكتب، فيقوم زين بالتواصل الفوري بموقع مكتب السيدة ماري الإلكتروني، طالبًا إنجاز معاملات تسفير الخادمة المختارة، فتصل بعد أيام قليلة إلى مطار بيروت. وهكذا، صار مكتب زين يتلقى يوميًّا ما لا يقل عن ١٠ طلبات من زبائنه الراغبين في تشغيل خادمات فيليبينيات. ولقاء تحمّله تكلفة وصول كل منهن إلى لبنان، كان يحصّل ٢٥٠ دولارًا ربحًا إضافيًّا صافيًا، ما رفع أرباح مكتبه الشهرية إلى ٤٠-٥٠ ألف دولار. وفي سنتين أو ثلاث من مطالع الألفية الثالثة جمع زين مبلغًا من المال لا يستهان به، وانعطف بحياته المادية والمعنوية منعطفًا جديدًا.
في حديثه عن ذلك المنعطف، استعاد زين بدايات عمله، حين كان يحمل معاملات ومستندات تشغيل الخادمات من ورشة تغيير زيوت السيارات وإصلاح دواليبها إلى منزل قريبه وزير العمل في مكتبه ليوقعها، فقال: «كنا أميين وفقراء وجهلة، لا نفقه شيئًا في شؤون «الخدم والخادمات» ومكاتب تشغيلهن وتراخيصها، واليوم حين أنظر إلى ما خبرتُه طوال ٢٠ سنة من عملي في المكتب، يتهيأ لي كأنني وأمثالي لم نكن من ضمن الأحياء في هذا البلد، إذ كنا نعيش فيه منعزلين تمامًا عما في العالم، ومنه ما عرّفني إليه عملي، الذي دفعتني ظروفٌ إلى الانخراط فيه فتغيرت حياتي كلها، وتعلمت وخبرت كيف يحيا الناس في هذه الدنيا الواسعة، الذين كنت لا أعرف كيف يتصرفون ويعملون وينشئون علاقات في ما بينهم. لقد تفتحَتْ آفاقي وتوسَّع عالمي وصرتُ على تماس وصلات بفئات واسعة من الطبقات كلها: أغنياء وسياسيون ووزراء وأصحاب مصارف وأصحاب شركات وسفراء وأبناء طبقات وسطى وفقراء. كنت أثناء انخراطي الجدي المتواصل في عملي كثيرًا ما أقف متسائلًا: هل أنا حقًّا من يعمل ويحصّل هذه المبالغ من المال؟! معقول؟ هل أنا حقًّا؟! طوال عمري السابق كنت أعمل وأعمل لكنني لا أحصّل سوى القليل القليل القليل، وبقيت فقيرًا أعيش الكفاف. كنت في النهار الواحد أفك ٥٠ دولابًا من دواليب السيارات، أصلحها، ثم أعيد تركيبها ولا أحصّل نسبة ضئيلة مما أجنيه اليوم. لقد تغيرت الآن كثيرًا يا زين. ها أنت تشتري سيارات جديدة، تبدلها متى تشاء بغيرها، وتسافر. نعم لقد تغيرت يا زين، حقًا تغيرت».
الأسفار وفيلا الأحلام
كان عمل زين مريحًا وسهلًا ومزدهرًا في مكتبه بشارع معوض بين عامَي ٢٠٠٠ و٢٠٠٦. إلى جانب عمله هذا في تلك السنوات، وزع أوقاته بين أسفاره إلى الفيليبين وتردده إلى بلدته ومسقطه شقرا في الجنوب، منشغلًا بمتابعة تشييد فيلا له هناك. تزامنت مشاغله هذه مع ازدهار تشغيل الخادمات الفلبينيات وتوسعه في السوق اللبنانية، ومع نهضة عمرانية في مجموعة في القرى والبلدات الجنوبية، ومنها تلك الواقعة في منطقة الشريط الحدودي التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي في ٢٥ أيار ٢٠٠٠، وهو اليوم الذي بات تاريخًا لإحياء الجنوبيين ذكراه في ما سمي «يوم التحرير»، احتفاءً بزوال الاحتلال الذي دام منذ صيف ١٩٨٢.
كانت السيدة ماري تنظّم قبل وصول زين إلى مانيلا كل مرة حملات إعلانية تشمل إذاعات وصحفًا محلية ولافتات شوارع، تنبئ بقدوم رجل أعمال لبناني لإجراء مقابلات مع فتيات لشتغيلهن في لبنان والسعودية والكويت. كان زين يصل في الخامسة صباحًا إلى مطار مانيلا فيُستقبل في قاعة كبار الزوار بناء على علاقات السيدة ماري ونفوذها. وفي الطريق من المطار إلى مكاتب السيدة ماري كانت سيارة تتقدم سيارته وتذيع عبر مكبر للصوت نداءات بوصوله، فيما يرى زين جموعًا من العابرين تتلفت إلى سيارته وتتوقف مستطلعة، فتأخذه وتسيل على وجهه نقاط عرق الحرج والخجل في مقعد السيارة الخلفي، وسط زحمة السير والتفاتات العابرين. أما في مبنى مؤسسة السيدة ماري فكانوا يخصصون له مكتبًا وسكرتيرة لتنظيم مقابلاته بعد الظهر مع الفتيات، فتروح كل منهن تتحدث عن نفسها لإظهار مواهبها وأفضل ما لديها من المؤهلات، كي تبدو لرجل الأعمال متميزة، فيختارها، فيما يخفي هو اضطرابه وخجله من الموقع والوضع اللذين وجد نفسه فيهما.
ما استطاع زين مراكمته من انطباعات خلال زياراته المتكررة إلى الفليبين، أنها بلد مؤسسات، تعشق النظام، شعبها ذكي ومتعلم ومتّقد بالنشاط، يجيد الأساليب الحديثة في التنظيم والعمل، لكن فرص العمل فيها قليلة ونادرة، وخصوصًا للنساء، وأن ١٢ مليونًا من الفيليبينيين من أصل عدد السكان البالغ في ذلك الوقت حوالى الـ١٠٠ مليون، كانوا يعملون في الخارج، بين أوروبا وأميركا ودول الخليج العربية، ومعظمهم من النساء. علم أيضًا أن ٥٠٠ ممرضة هاجرن مرة دفعةً واحدة في ظرف أسبوع للعمل في المستشفيات الأميركية براتب يتراوح بين ٥٠٠ و٦٠٠ دولار في الشهر. ومن اكتشافاته أن نفوذ سيدة الأعمال ماري الواسع وسطوتها في إدارات بلدها الحكومية، وصلا حتى الى سفارات العالم، التي يتقاضى العاملون فيها سمسرات وعمولات ورشاوى لإنجاز معاملات الخادمات، فرغم تحديد سفارة الفيليبين في بيروت ومن ورائها وزارة العمل الفيليبينية أجر الخادمة في لبنان بمئتي دولار شهريًّا، تواطأت مكاتب الاستخدام هناك وفي لبنان على تخفيض الأجر إلى ١٥٠ دولارًا، على أن تسعى المكاتب اللبنانية بطرقها الملتوية ورشاويها لدى قنصل السفارة في بيروت لغضّ الطرف عن عدم الالتزام بالراتب المحدد للخادمة في حال معرفته بذلك من إحداهن أو أكثر. كان أصحاب المكاتب غالبًا ما يهددون الخادمات ويتوعدونهن إذا ما بدرت منهن أي شكاوى أو تذمّر من حسم رواتبهن، أو إذا ما فكّرن بإطلاع موظفي سفارة بلدهن في بيروت على أجرهن المنخفض، ولو كانت مشاكلهن غير ذات صلة حتى بهذا الأمر، كأن يلجأن إلى السفارة شاكيات مشكلات تعترضهن في بيوت مخدوميهن.
ظلت سوق الخادمات الفلبينيات ناشطة ومزدهرة بقوة في الديار اللبنانية حتى أصدرت سلطات الفيليبين قرارًا في حرب تموز ٢٠٠٦ بمنع سفرهن للعمل في لبنان، فتراجع مذّاك وصول الفيليبينيات إليه تراجعًا كبيرًا، ثم توقف تمامًا، إلى أن تواطأت مكاتب الاستخدام اللبنانية والفلبينية والخليجية في ما بينها على حيلة لاستيراد الخادمات إلى لبنان من طريق بلدان الخليج العربية، فنشأت عندها شبكة سوق سوداء مثلثة لعقد صفقات معقدة تبدأ بقيام مكاتب في الفيليبين بإنجاز معاملات الخادمات هناك على أساس تشغيلهن في بلدان الخليج، التي تعمل مكاتب فيها على تسفيرهن إلى بيروت بالتواطؤ مع مكاتب في لبنان. لكن هذه الحيلة وشبكاتها المعقدة لم تُعِد التدفّق الطبيعي والسلس للخادمات الفلبينيات إلى لبنان من جديد، بل صعّبته أكثر وحدّت منه كثيرًا، فارتفاع تكلفة معاملات الخادمات وتسفيرهن مرتين رفعت أجورهن في لبنان، فتدنى الطلب عليهن رغم تفضيلهن على غيرهن، ولذا تراجعت أعمال مكاتب التشغيل اللبنانية مع الفيليبين تراجعًا كبيرًا، فعمد زين إلى الاستعاضة عن نقص الفيليبينيات باستقدام مدغشقريات قال إنهن متعلمات ومحترمات، لكنهن يتكلمن الفرنسية وليس الإنكليزية، وهذا ما فرض عليه وعلى أمثاله إعادة تقويم عملهم ليستهدف نوعًا محددًا من البيئات والأوساط والزبائن، وفرض على الزبائن الذين كانوا قد تعودوا وألِفوا الخادمات الفليبينيات ولغتهن الإنجليزية أن يعيدوا حساباتهم مع تغير جنسية خادماتهم ولغتهن، فأُجبر بعضهم على بعث «الفرنكوفونية» في بيته بعد أن كان اعتبرها عتيقةً فائتةً، بديلًا من «الانجلوفونية» الجديدة المتوسعة على حساب الأولى.
مافيا في مغارة
خلال تعداده مشكلات المهنة، شبّه زين دخول سوق تشغيل الخادمات بدخول مغارة تقع داخل مغارة أكبر مترامية الأرجاء هي –برأيه- الإدارة الرسمية في لبنان، التي على المكاتب التعامل معها لتسيير أعمالها، بعد تعاملها مع مكاتب استقدام الخادمات وسماسرتها في بلدانهن، وتخليص معاملات استقدامهن في تلك البلدان وفي سفاراتها في لبنان، والتعامل كذلك مع الخادمات أنفسهن، متعددات العادات والتقاليد والأديان والأمزجة... وهناك أخيرًا ضرورات التعامل مع أمزجة اللبنانيين وأهوائهم في تشغيل الخادمات.
يرى زين أن المكاتب تحتل موقع الوسيط بين بلدان «السلعة البشرية» المستورَدة وبين استخدامها في البلد المستورِد وتسويقها فيه، وهي من ترعى العلاقات بين سلطات بلدان هذه «السلعة» وبين مؤسسات البلد المستورِد (السفارة اللبنانية - وزراة العمل - الأمن العام) وزبائن «السلعة» (اللبنانيين وأهوائهم وأمزجتهم)، وأحيانًا مخافر قوى الأمن الداخلي والنيابة العامة وجهاز القضاء في لبنان (في حال تعرض الخادمات لاعتداءات في بيوت مخدوميهن، أو في حال فرارهن من هذه البيوت). وفي هذه المتاهة من الأدوار لا يسع المكاتب إلا أن تسوس بالحيلة والتراضي والتواطؤ العلاقات بين هذه الأطراف كلها، حرصًا منها على مصالحها واستمرار أعمالها ومراكمتها الأرباح المالية.
ترتسم في هذا العالم ملامح شبه مافيوية من السمسرات والتواطؤات والمصالح الخاصة المتبادلة والمتشابكة، التي يجعل تفشيها العام أو المعمَّمُ خفاءَها علنيًّا وعامًّا. في هذا النوع من عالم الأعمال تحتل المكاتب واسطة العقد، فإذا حصلت مشكلة بين خادمة ومخدوميها على المكتب التدخل للحلّ، وحتى لو اتصل طرفا المشكلة أو أحدهما بالمخفر طالبَين تدخله فإنه لا يتدخل ويحيلهما إلى المكتب. أما في حال وصول المشكلة إلى المدعي العام، فإنه يطلب من المخفر إرسال الخادمة إلى المكتب بقرار منه. وبناءً عليه، تسلّم زين بقرار من النيابة العامة القضائية في حالات كثيرة خادمات ألقت المخافر القبض عليهن، أو اقتادهن مخدوموهن إلى المخافر. ومن الممكن أن تتصل إدارة مستشفى ما بالمكتب بعد أن وصلت خادمة تابعة له إلى قسم الطوارئ، طالبةً تحمل نفقات علاجها. وعندما تعرضت خادمةٌ لاعتداء جنسي في سيارة أجرة ليلًا، وفتحت بابها عندما لمحت حاجزًا للجيش وخرجت تركض صارخةً نحوه، اقتادها عناصره مع سائق السيارة إلى مخفر لقوى الأمن الداخلي، فاتصل عناصره بالمكتب، وعندما وصل زين إلى المخفر وجد فيه أهل السائق وأقاربه والطبيب الشرعي الذي عاين الخادمة وحصل على ٥٠٠ دولار لقاء «أتعابه»، فيما حصل المخفر على ٤٠٠ دولار من السائق وأهله رشوة، وطلب من الخادمة ٥٠٠ دولار لتسفيرها إلى بلدها، ثم سلّمها إلى المكتب.
الجزء الثالث
كيف تصبح مخدوماً؟
السلطة في خدمة السوق
نص
نزار صاغية
بالعودة الى ألف باء نظام الكفالة، سوف نتخيَّل امرأة اسمها ليلى.
ليلى في الثلاثينيات من عمرها، ولدت وكبرت في بيروت. رفضت لسنوات أن يكون لديها عاملة منزلية، ولكن بعد أن أنجبت طفلها الثاني قررت استقدام عاملة «لتساعدها» في المنزل.
صوت نزار صاغية
٢- ظروف العمل:
س: في عقد لازم امضي عند كاتب العدل. في شي لازم افهمو اكتر بخصوص هالموضوع؟
ج: هيدا عقد موحد، يعني مطلوب منكن إنتو التنتين تمضوه متل ما هوّي. طبعا فيكي تعطيها حقوق أكثر5غياب الحماية القانونية كعاملة، من اللافت هنا تلكؤ الحكومة عن إقرار أي حماية قانونية للعاملة، ليس فقط كعاملة إنما أيضا كمقيمة. وهكذا، ورغم مجمل التقارير الدالة على سوء المعاملة، فإن العمل المنزلي ما يزال مستثنى من قانون العمل. وإذ وضعت وزارة العمل قانون عمل خاص لعاملات المنازل نزولا عند الضغوط الدولية، فإن هذا القانون هو بمثابة مجموعة من المواد التمييزية ضد العاملة بالنسبة إلى قانون العمل في مجالات عدة. هذا عدا عن أن أي قانون في هذا المجال في ظل استمرار نظام الكفالة (الربط بين الإقامة والعمل لدى صاحب عمل بعينه) يؤدي عمليا إلى تجريد العاملة من أي ضمانة. أما العقد الموحد فعدا عن أنه يخلو من حماية كافية، فإن كتاب العدل يصرون على تحريره بلغة لا تفهمها العاملة عدا عن نصحهم بتخفيض أجر العاملة المتفق عليه وذلك لتخفيض الرسم الواجب دفعه. وبالطبع، من شأن هذا التوجه الأخير أن يجعل العقد سببا لإنقاص حقوق العاملة لا الى تعزيزها.، متل أجر أعلى مثلًا، والأصول تكتبيها بالعقد.. بس كاتب العدل بينصح عدم وضعو ليوفر عليك رسم أعلى.
س: بالنسبة للإجازات؟
ج: في نهار راحة بالأسبوع. يعني نهار ترتاح فيه من الشغل بس ما في شي بالعقد بيقول إنو من حقها تضهر بأيام الراحة. العقد كمان بيحكي عن ٦ أيام اجازة في السنة. أساسًا هيي ما بتعرف بهالشي لأنو العقد مكتوب بالعربي. أول ما صدر العقد كان لازم ينمضى بأكتر من لغة، بس هيدي الطريقة بتوفر مصاري على أصحاب العمل.
س: أجر ؟
ج: الأجر بحسب الجنسية، بتدفعي آخر كل شهر.
س: نوع العمل؟
ج: أعمال الخدمة المنزلية. مش محدد أكتر بعقد العمل.
س: دوام العمل؟
ج: ١٠ ساعات غير متواصلة مع ٨ ساعات نوم متواصل
س: فيي اقفل باب البيت لما اطلع؟
ج: بالمبدأ ما فيك تحبسي شخص تاني6تقييد حرية العاملة: الاستثمار المقدم من صاحب العمل (ما بين ٣ و٥آلاف دولار) لاستقدام العاملة يولد لديه هاجسا في مراقبة العاملة وتقييد حريتها والقيام بما يلزم للحؤول دون خروجها من النموذج الرسمي ولاستردادها كلما لزم الأمر، بحيث يتحول بفعل مصلحته تلك الى المعاون الأول للأجهزة الأمنية لضمان استمرار هذا النموذج، وذلك من خلال فرض رقابة شبه دائمة على العاملة تصل إلى حد احتجازها واستباحة خصوصيتها في الكثير من الأحيان. هذا مع العلم أنه من دون هذا التعاون، يصعب على الأجهزة الأمنية مراقبة وتتبع هذا العدد الهائل من الوافدين/ات الأجانب. (العاملات الأجنبيات يتجاوز عددهن المائتي ألف عاملة في العام ٢٠١٤). فهيدا بينعدّ احتجاز للحرية الشخصية. بس صايرة عادة دارجة بلبنان. بيخافو تهرب.
س: فيي آخدها معي زيارات أو أطلب منها تشتغل ببيت حدا تاني من العيلة؟
ج: زيارات طبعًا، لا مانع قانوني. بس ممنوع تشغّليها ببيت تاني. هيك العقد بيقول. بالنسبة للمسابح، صار في حكي إنو المسابح مش عم تسمح للخادمات تفوت. القصة هيّي إنو في مسابح ما بيخلّوها تفوت تسبح بس بيخلّوها تفوت مع العيلة لتنتبه ع الأولاد. هيدا الموضوع على كل حال بيد وزارة السياحة.
س: فيها تعيش برا البيت؟
ج: بحسب العقد، لازم تأمّنيلها مكان للنوم لائق وأكل وثياب. الأمن العام بيصرّ جوات البيت، بس ما في شي مكتوب.
س: الطبابة عليّ؟
ج: بحسب العقد لازم تأمّني العلاج. في حالات الطوارئ والاستشفاء، التأمين بيغطي لحد معين. العيون والأسنان مش مغطايين بالتأمين بس من مسؤوليتك. على كل حال، من فترة تردَّدْ إنو وزارة العمل بصدد تعديل هيدا العقد ليكون أكتر توافقًا مع اتفاقية العمل الدولية بشأن العمل اللائق لخدم المنازل، يللي لبنان مضي عليها بس بعد ما صادق عليها.
٣- الخلافات:
س: اذا صار في خلاف بيني وبينها؟
ج: اذا ضمن مهلة الـ٣ أشهر، فيكي تطلبي استبدالها بخادمة ثانية. بحسب العقد، ممكن إنت أو هيّي تتقدمو بشكوى لوزارة العمل، إللي بتسعى لايجاد حل حبّي، وإلا ممكن يلجأ أحد الفريقين للقضاء. حالات الفسخ بحسب العقد هي الآتية: اذا قامت بعمل يؤذيكِ، أو بعمل معاقب عليه في القانون، في هذه الحالة هيّي بتدفع تذكرة العودة لبلادها. بالمقابل، هيّي فيها تفسخ إذا ما دفعتيلها إجرتها لمدة ٣ أشهر متواصلة، أو إذا قدرت تثبت إنو في استغلال جسدي أو نفسي، أو إذا استُغِلّت وانجبرت تشتغل شغل تاني. في هذه الحالات، إنت بتدفعي تذكرة عودتها لبلادها. في أكتر الحالات، الناس عم تلجأ للمكتب للوصول لحل سريع، مع إنو قانونيًّا ما عندو أي صلاحية بهيدا المجال. الحل التاني هو تتنازلي عنها لرب عمل آخر.
الأمن والترحيل
أولا، ومن ثم القضاء:
عند رصد عدد كبير من الأحكام القضائية، تبدى أن مصير العاملة يتحدد في أكثر هذه الحالات من قبل الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع النيابات العامة التي تكتفي بتأييد أعمالها من دون أن يكون للقضاء أي دور مؤثر مهما عدل.
وهذا ما تبيناه بخصوص حالات عدة تركت فيها العاملات العمل وتجاوزت مدة إقامتها. ففي هذه الحالات، وبعد القبض على العاملات من قبل قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام والتحقيق معهن، أعطت النيابات العامة إشارة بتوقيف العاملات وعرضهن على المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ قرار بترحيلهن، على أن تتم إحالة ملفاتهن إلى القضاء بعد ذلك. بمعنى، أن للأمن العام أن يقرر ترحيلهن أولا وأن يقوم فعليا بذلك، فلا يتم إحالة ملفاتهن إلى القضاء إلا بعد حصول ذلك. وبذلك، تنظم النيابات العامة أغرب ما يمكن تصوره: المحاكمة الغيابية، أي المحاكمة بغياب العاملة، على نحو يؤدي الى تغييب كل أوجاعها وآلامها على اختلافها.
كما تبيناه بخصوص ملفات أخرى ادعى فيها أصحاب العمل على العاملات بعد تركهن للعامل بالسرقة. ففي هذه الحالة، تم توقيف العاملات على أساس اثباتات جد ضعيفة وواهية واحالتهن إلى القضاء بجرم السرقة. وفي هذه الحالات، قام الأمن العام بترحيل العاملات خلال فترة المحاكمة، من دون إعلام القضاء بذلك. ومن اللافت في قضايا عدة مماثلة أن القضاء انتهى الى تبرئة العاملات، من دون أن يؤثر حكم البراءة عليهن بشكل من الأشكال، طالما كان تم توقيفهن لأشهر وترحيلهن من دون أي تعويض بقرار من الأمن العام. وأكثر من ذلك، فمن المرجح ان هذه العاملة لن تعلم أبدا بالحكم القاضي بتبرئتها.
الأمر نفسه نلمحه بشأن دعاوى قضائية كانت العاملة فيها هي المدعية. فنجد ملفات قضائية تتراكم أمام مجالس العمل التحكيمية تطالب فيها عاملات بأجورهن أو بتعويضات على خلفية سوء المعاملة. ولكن نلحظ أنه في هذه الحالات كافة، تم ترحيل العاملة لسقوط اقامتها تبعا لترك عمل الكفيل، فيما تستمر دعواها لسنوات.
حين يتحول الأمن والقضاء الى أدوات لإرغام العاملات للعودة إلى العمل:
أسوأ من ذلك هو استمرار هذا العرف بتركيب ملف سرقة على عاملات المنازل (ملف السرقة) فور تركهن العمل، وذلك لضمان تحرك القوى الأمنية للقبض عليهن. ويلاحظ أنه رغم ثبوت الطابع الافترائي في العديد من هذه الملفات، فإن هذا العرف يستمر وسط تفهم أمني وقضائي واسعين. وأخطر ما في هذا العرف أنه تحول في العديد من الحالات الى مناسبة يؤول فيها تطبيق الإجراءات الجزائية الى وسيلة لارغام العاملات على الالتحاق مجددا بعملهن تحت ضغط التوقيف والتهديد بالترحيل.
هذا فضلا عن أنه للأسف، تبقى غالبية الأحكام القضائية حتى الآن عبارة عن نماذج من صفحة واحدة تعج فيها الآراء المسبقة التي تقارب العنصرية كاستعمال كلمة فرار (رصدنا أكثر من ٧٧ حكما استعمل هذه العبارة) المؤشرة للعبودية، وغيرها من العبارات كالتدليل عليها من خلال جنسيتها من دون إيراد اسمها (الأثيوبية أو السريلانكية) وما إلى ذلك من مؤشرات. كما نلحظ غياب المترجمين في العديد من الحالات.
فضلا عن ذلك، نسجل محدودية المساعدة القانونية أي تأمين محامين للمطالبة بحقوق العاملات أو الدفاع عنهن. وهذا الأمر يجعلهن عرضة لمزيد من الأحكام المسبقة والتعسف.
فتصبح مصلحة العاملة في القبول في النموذج المذكور في حاجتها الى تجنب الأسوأ الذي قد يكون إما العودة إلى بلدها مما يستتبع ذلك من خيبة واستثمار مهدور، واما تعريض نفسها لخطر التوقيف والترحيل في أي وقت. وتاليا، وأمام هذا الواقع، غالبا ما تجد نفسها محكومة بهذا النموذج.

الجزء الرابع
البشر كسلعة في خدمة السوق
مقابلة مع
رحيل زيجي
ضيق سوق العمل في إثيوبيا دفع راحيل إلى التفكير في الرحيل بحثًا عن عمل، بعدما أقنعها زميل لها أن لبنان هو البلد الذي تحققين فيه «أحلامك»، فقررت المجيء لخدمتنا. البلد الذي قال عنه ميشال شيحا إن دور دولته «تأمين الغذاء واللباس اللائق» للعمال، ويُترك للتجار «تأمين معاشاتهم».
اللبنانية عم يدعسونا، وفي حدن تاني عم يدعسن للبنانية. هيكي هوّي السيستام.
«أُسَمّيه سوقًا. إنّه سوق عمل أنشأه تجّارٌ بشر، كبيع الأغنام مثلًا، هناك من يربّي الأغنام ثم يبيعها لتحقيق ربح من عمله. لكن أصحاب هذه المكاتب لا يربّونك، ولا يطعمونك كما يفعل الوالدان. أسوأ ما في الأمر أن أصحاب هذه المكاتب يمارسون الإتجار بالبشر من دون بذل أي مجهود مُسبق. إن أردتَ بيعَ الأغنام عليك أوّلًا بذْلَ بعضٍ من الجهد لتربيتها، ومن دون جهد وعمل لن تحصل على شيء، فكيف يحدث إذًا في حالة الإنسان، الكائن الجدير بالاحترام، والذي لم يفعلوا شيئًا لتربيته أو لتأمين الماء والطعام له، أنّهم يبذلون كل هذا الجهد للإتجار به؟».