الفصل الثالث
العائلة
استمعت من جديد إلى المقابلات التي أجريتها خلال تحضيري لفيلم "مخدومين"، واخترت 6 منها: 5 مقابلات مع نساء، ومقابلة واحدة مع رجل.
وزعت مقتطفات من المقابلات على أشخاص ستة، خمسة نساء ورجل، مهنتهم/ن الكتابة، كي يحولوا/ن كلاً منها إلى قصة. ثم طلبت من 6 فنانين تشكيليين أن يرسموا لوحتان أو ثلاثة لكل قصة. إضافة إلى هذه النصوص واللوحات، عملت مع عدد من الممثلات وممثل واحد. اعتمادًا على مقتطفات قصيرة اخترتها من المقابلات الاساسية، انتحلت الممثلات وانتحل الممثل أدوار الأشخاص المتحدثين في المقابلات، فأدوها أمام الكاميرا. كانت هذه التجربة مشوقة. فالممثلات (والممثل) تفاعلن مع النص وتملكنه، مستعملات تجاربهن الشخصية.
الجزء الأول
صبحيّة مع هالة
كتابة
لينا منذر
رسم
مي غيبي
ما يلي هو مونولوغ توجَّهت به هالة إلى إحدى صديقاتها المقرّبات أثناء تناولهما القهوة صباحاً. في حين أن هالة شخصيّة مُتخيَّلة، إلّا أنّ القصص التي ترويها تستند إلى مقابلات حقيقيّة أُجريَت مع نساء لطالما وظّفن عاملات منزليات أجنبيات. هؤلاء نساء مُتعلِّمات وليبراليّات، ينتمين إلى الطبقَتَين الوسطى والوسطى العليا، ويُدركن تماماً أنّ تحقيق أحلامهن يتطلّب توظيف امرأة أخرى لتولّي دور "ربّة المنزل". ومع ذلك، فإنّهن لا يدركن عموماً ما قد تحلم به هذه "المرأة البديلة".
حصلنا على خادمتنا الأولى في بداية الحرب الأهلية تقريباً. كانت في التاسعة من عمرها، تصغُرني بسنة واحدة. كانت من عائلة جنوبيّة نزحت من قريتها خلال الاجتياح الإسرائيلي، وكان والداها فقيرَين جداً، ما دفعهما لإرسالها للعمل. وافقت أميّ على توظيفها بدافع الشفقة فقط، على ما أعتقد. كانت... زينة؟ زينب؟ نسيتُ اسم هذه الفتاة، لكنّي شبه متأكّدة من أنه يبدأ بحرف الزّين... كانت يافعة جدّاً فلا تستطيع القيام بأعمال التنظيف كما يجب. أذكر أنه كان عليها الوقوف على سُلَّم صغير لكي تتمكن من غسل الأواني، وأنها كانت تغسل ملابسنا الداخلية باليد، على الشرفة، في وعاء من البلاستيك. هذا، تقريباً، كلّ ما كانت تستطيع القيام به. كنّا نلعب معاً في بعض الأحيان. لم يكن لدي أخوات فكان يسرّني وجودها في المنزل. لكنّها كانت تغار منّي كثيراً أيضاً، فلا تكفّ عن سرقة ألعابي وأغراضي الصغيرة، مثل ربطات الشعر أو الأساور؛ كنّا نجدها مخبّأةً بين ثيابها. طردتها أمّي، بدافع الشفقة أيضاً. أتذكَّرها وهي تقول لوالد الفتاة: "إنها طفلة، مكانها في المدرسة. محزنٌ جدّاً إرسالها للعمل، لا بدّ أنّك تستطيع العثور على حلّ آخر".
بعد زواجي من وائل، انتقلنا معاً إلى الخليج بدافع عمله. سكنّا في شقّة صغيرة، جميلة ومريحة أحببتُ الاعتناء بها – كنتُ أحبّ الاعتناء بزوجي. تلك الأشهر الأولى من زواجنا كانت سحراً خالصاً؛ كنّا نعيش حالة غرام. كنتُ أقضي اليوم كلّه في الطهي، أو في تنظيف الحمام، أو في كيّ قمصانه. كان ذلك أشبه بلعبة "بيت بيوت"، فلم أكن أشعر أن ما أقوم به هو عمل بالفعل. لكنّي عثرت على وظيفة في نهاية المطاف، ثم حبلت. وأنجبت سليم. لم يكن هناك أحد ليساعدني في الاعتناء بالطفل كما كان سيكون الحال لو أنّنا بقينا في لبنان. لم نرَ غير حلَّيْن: إمّا أن نأتي بوالدتي، أو والدته، لتعيش معنا وتُساعدنا – ما كان من غير الوارد إطلاقاً، إذ تَخيَّلي ما كان سيفعله ذلك بزواجنا؛ وإمّا أنّ نوظِّف مربيّة لتعتني بسليم. وهذا ما فعلناه. كانت سريلانكية. كلّا، عفواً، هندية. نسيت اسمها. شاندرا؟ كلّا، شاندرا جاءت لاحقاً. على أيّ حال، لم تكن تأتي إلا في النهار، ثم تغادر بعد انتهائنا من العشاء. كان تركُ سليم معها طوال النهار كلّه مصدرَ توتُّرٍ وقلقٍ شديدَين. بالكاد كانت تتكلّم أي لغة فلم أكن أستطيع الاتصال بها لأسألها: هل أكل الطفل؟ هل أخذ قيلولة؟ هل غسلتِ يدَيْك قبل حمله؟ صار القلق لا يُحتَمل، وبدأتُ أعاني من طفح جلدي أخذ يظهر على كل أنحاء جسمي. وكان لديها ذاك الهاجس بحيث أنها لم تكن تترك سليم يبكي أبداً. كان لديها أولاد في بلدها، وكانت تعتقد أن بكاء سليم يعني أنّ أولادها يبكون هم أيضاً من دون أن يواسيهم أحد. بمجرد أن يصدر عن سليم أدنى صوت، كانت تُسارع إلى حمله وهدهدته والغناء له. إلى أن بلغت الأمور حدّ عجز أي شخص غيرها عن إيقاف بكاء سليم، فصار يبكي ويبكي في الليالي ولم يكن مِن شيء أستطيع فعله لتهدئته. دخلتُ في حالة اكتئاب عميق، وتفاقم الطفح الجلدي. بدأ شعري يتساقط من شدّة القلق وقلّة النوم. كنت في حالة يرثى لها. الشيء الوحيد الذي كان يمكن فعله هو الاستقالة من وظيفتي حتّى أستطيع رعاية طفلي بنفسي، وهذا ما فعلت.

ثم عدنا إلى بيروت، حيث أصبح لدينا منزل أكبر بكثير، وأنجبت طفلاً ثانياً فلم أعد قادرةً على تدبّر شؤون المنزل بمفردي. ما من أحدٍ كنت أعرفه إلّا وكان لديه خادمة، وقد نصحتني إحدى صديقاتي بالذهاب إلى مكتب استقدام الخادمات الذي تعامَلَت معه. بالطبع هناك شيء من الحظ في هذا الأمر. قد تتعاملين مع مكتب ممتاز يختار الفتيات بعناية، وقد تمضين ساعات في تصفّح الكاتالوغ لكي تختاري الفتاة المناسبة، لكن الفتيات يكذبن أحياناً. ليس جميعهن، لكن بعضهن. يَقُلْن، مثلاً، أنّهن يتكلّمن عدّة لغات في حين بالكاد يعرفن كلمة واحدة من الإنجليزية أو العربية، أو يقلن أنّ لديهن خبرة طويلة في العمل المنزلي في حين لا يعلمن أي جهة من الإسفنجة ينبغي استخدامها. وفي بعض الأحيان يُعانينَ من مشاكل عقليّة. كانت الفتاة الأولى التي استقدمناها تبدو ظريفة جدّاً على صورتها، وقد تهيّأ لنا عند وصولها إلى المنزل أنها مهذّبة وهادئة للغاية. لكّنها كانت تُحدّق إليّ كالبلهاء في كلّ مرّة أقول لها شيئاً، وكانت تمضي الليل كلّه في البكاء، كلا، أقصد في النواح والصراخ وهي في غرفتها. مع أنّ الغرفة كانت مريحة جدّاً، لقد بنيناها على شرفة المطبخ لكي تستطيع الحصول على بعض من الخصوصيّة، وحرصنا أن يكون لها نافذة جيّدة. وضعنا لها تلفزيون صغير وجهاز "دي في دي"، أشياء لم تكن تحلم بالحصول عليها في بلدها. لكن بعضهن يُعانين من مشاكل في العقل. شعرتُ أنّ ابقاءها سيكون نوعاً من القسوة، تجاهها وتجاهنا؛ لم أكن أستطيع الوثوق بشخص مثلها للاهتمام بأولادي. استبدلْتُها بفتاة أخرى، فحصلنا على مونيكا: كانت فعلاً أفضل خادمة يمكن أن يُحظى بها.
كانت سريلانكية، وكانت ذكيّة. كان تعليمها ضعيفاً وأعتقد أنها لم تتجاوز المرحلة المتوسطة، لكنّها كانت ذكية في طريقة تعاملها مع الناس. أنا بارعة في ملاحظة هذه الأمور كما تعلمين، فأنا مديرة قسم كبير في الشركة التي أعمل فيها، واحدة من امرأتين فقط في مثل هذا المنصب. عملي يتطلّب فهم الناس بسرعة، والتكهّن بمَ يُفكِّرون، وإرضاء غرورهم في بعض الأحيان أيضاً. عليكِ أن تعثري على الطريقة الأنسب لممارسة سلطتكِ، فلا يمكنكِ، مثلاً، أن تدخلي المكانَ وتبدئي بالصراخ وإصدار الأوامر – اِفْعَل هذا، اِفْعَل ذلك – كما يفعل الرجال. لكن عليكِ في الوقت نفسه أن تكوني شديدة الحزم، وإلّا فإنّ الجميع سوف يستغلّك. لذا، تمنحين الموظفين هامش حريّة ما، تقولين لهم، مثلاً، إنّ هذا العمل أو ذاك ينبغي إنجازه بحلول هذا الموعد النهائي أو ذاك، وتتركين لهم حريّة ترتيب المهام. لقد اتّبعتُ النهج ذاته معها، وعاملتها مثل أي موظّف آخر لديّ. فكنت أقول لها إنّه ينبغي تنظيفُ النوافد مرّة في الأسبوع، وتنظيفُ الأرضيات والحمامات كلّ يوم، إلخ. كنتُ أصرّ على توقفها عن العمل كلّ يوم في تمام الساعة الثامنة، وأحرص على أن تأخذ عطلة كلّ يوم أحد. وحتّى عندما كانت تعرض عليّ أن تبقى في المنزل، قائلةً إنها تُريد أن تبقى، كنتُ "أُرغِمها" على الخروج. "اذهبي! كَوِّني صداقات! تسلّي، أمضي وقتاً مع ناس من ثقافتكِ! يمكننا تدبّر أمورنا من دونك ليوم واحد، لا تقلقي".
كانت تحاول أحياناً التلاعب بي، فتزعم أنّني لم أخبرها بشيء ما فيما أكون واثقةً تماماً من أنّني فعلت ذلك، أو تسعى إلى تعديل برنامج العمل الذي وضعته لها، آملةً أن لا ألْحظ ذلك. كنت أقول لها: "لا يمكنكِ أنّ تدّعي الغباء معي يا مونيكا، فالحيلة هذه أنا مَن اخترعتُها!". ثم نروح نضحك معاً. كانت ضحكتها فاتنةً وصادقة جدّاً، فتشعرين بأنها ضحكة من القلب. لكنّها كانت تستطيع أن تكون صارمةً أيضاً، وهو أمر ممتاز في ما يتعلّق بالأولاد. كانت تستطيع جعلهم ينضبطون كأنهم جنود صغار، كان ذلك رائعاً. هناك أشخاص لا يروقهم أن تأدِّب الخادماتُ أولادهم. بالطبع لم أكن أسمح لها بضربهم، ولا بالصراخ عليهم حقّاً – لو فعلتْ ذلك لكانت وجدَتْ نفسها فوراً خارج المنزل من دون أن تدري ما الذي حلّ بها؛ لكنتُ سحبتها من شعرها وأخرجتها! لكن تخيَّلي أيضاً أن تتركي أولادك مع شخص لا سلطة له عليهم: ستعودين حينها إلى المنزل فتجدينه وقد أصبح مستشفى مجانين؛ وسيتحوَّل أولادك إلى وحوش لا يمكن السيطرة عليهم. واحزري مَن عليه أن يتعامل معهم بعد عودة الخادمة إلى بلدها؟

افتقدوها كثيراً بعدما غادرت، افتقدناها جميعنا. انتهت مدّة عقدها بعد أربع سنوات وقرّرت عدم تجديده وعادت إلى بلدها. حسناً، وائل لم يفتقدها. كان يكره عيشَ شخص غريب معنا في المنزل، ولا يزال يكره ذلك. ولطالما جعلها تشعر بذلك أيضاً. عندما لا يكون في المنزل، كانت تجلس إلى الطاولة لتناول الطعام معنا، أنا والأولاد؛ لكن ما أن يعود وائل حتّى تختفي: تختبئ في غرفتها ولا تغادرها بتاتاً. أعتقد أنّني محظوظة، فبعض النساء يخشين أن يخونهن أزواجهن مع الخادمة، أو أن يشتهوها فحسب. لكن في ما يخصّ وائل، لم تكن هذه مشكلة على الإطلاق. لا بل كان عليّ تنبيهه إلى معاملتها بمزيد من اللطف. فهو جلفٌ بعض الشيء، يستهويه الصراخُ، وقد يبالغ أحياناً في دراماتيكيّته فيكسر بعض الأغراض. لكنّ ذلك كلّه مجرّد تباهٍ ومُفاخرة، فهو يحب أن يلعب دور الرجل القوي. أمّا في أعماقه، فهو في غاية الرّقة. عليكِ فهمُ نفسيّته لتعرفي كيف تتعاملين معه، لكني أعتقد أن الخادمات كن يخشينه دوماً. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن سلوكه ساعدني كثيراً، وذلك لأنه رسم حدوداً لمدى إمكان الخادمات الاقتراب من الأسرة. لقد أوضَح لهن الأمر تماماً: هذه هي دائرة الأسرة، وسوف تبقَيْن دائماً خارجها. لذلك لم أضطر أبداً إلى لعب دور الشرير. من الصعب جدّاً لعب هذا الدور كما تعلمين، فهو يُشكِّل مصدر قلق كبير. من الصعب رسم حدود واضحة. فمن ناحية، هناك هذه المرأة تعيش في منزلكِ، وقد مُنِحَت سلطةً على ما يُفتَرض أنّه مملكتُك. هي أصبحت، عمليّاً، ربّة المنزل. وباتت تعرف كلّ تفاصيل حياتك الحميمة؛ تسمع مشاجراتك مع زوجك، حتّى أنها تعلم متى تمارسان الجنس. تُبدِّل الملاءات، تطوي ملابسك الداخلية. تعرفُ أشياءً عن أولادك تجهلينها أنتِ. لكن عليها في الوقت ذاته أن تبقى خارج الأسرة وإلّا تصبح هي المتحكِّمة بالمنزل على نحوٍ تام، فلا يعود لكِ حينها أي مكان. هناك دائماً شعور بالمنافسة. لست أتكلّم عن المنافسة على الرجال، وإنّما عن منافسة حقيقيّة بين نساء، منافسة حول مَن سيُدير المنزل. مَن يُثنى على طبخه؟ مَن يُطيعه الأولاد، وإلى مَن يلتجئون بحثاً عن المواساة؟ ببساطة، عليها لعب دور ربّة المنزل لكي يُنسَب لكِ الفضلُ كلّه في ذلك. وهو بالطبع أمرٌ مزعج لها على مستوى ما. كما أنّني أنزعج من اضطراري إلى الاتّكال عليها في كلّ ذلك. لا تعتقدي أنّني لا أرى السخرية في ذلك! سبق وقلت لكِ إنّني ذكيّة جداً في ما يخصّ هذه الأمور. في ما يخصّ العلاقات بين البشر. لم أكن لأصل إلى ما أنا عليه في الحياة لو لم أكن كذلك.
بعد رحيل مونيكا، أراد لنا وائل أن نحاول العيش لمدّة بلا خادمة. "لقد فعلتِ ذلك في بداية زواجنا"، قال لي. فانفجرتُ ضاحكةً: "فعلتُ ذلك عندما كنّا نسكن في شقّة صغيرة جدّاً ولم يكن لدينا أولاد! ما رأيكُ، إذاً، أن تُنظِّف الحمامات الأربعة كلّ يوم بنفسك؟ وما رأيكَ أن تكوي قمصانكَ وتحضِّر قهوتكَ وتمسح الأرضيات وتطبخ للأولاد؟". ليس لديه أدنى فكرة عمّا يتطلّبه تسيير شؤون المنزل، فهو لا يستطيع حتّى أن يسلق بيضة.
حصلنا على شاندرا بعد رحيل مونيكا على ما أعتقد. أجل. كانت سريلانكية أيضاً. علاقتي بها لم تكن كعلاقتي بمونيكا. كانت شاندرا... بدائيّة بعض الشيء. تخيّلي أنها كانت تأكل بيديها عندما أتت! لكنّنا علّمانها كيف تستخدم الشوكة، وعلّمتها أيضاً بعض الكلمات العربيّة والإنجليزية. كنتُ أُلقِّنها عشر كلمات جديدة في الأسبوع، وأعطيها الشوكولاتة عندما تحفظ درسها جيّداً وتستخدم الكلمات بمفردها. لكنّي لن أكذب عليكِ، كان الأمر مُحبِطاً للغاية في البداية. كان عليّ أنّ أشرح لها كلّ شيء بنفسي، مُستخدمةً لغة الإشارة. بعض النساء لا يتحليّن بالصبر فيصرخن على الفور. هذا ليس أسلوبي. أنا عادلة دائماً، وأحترم الآخر. أُذكِّر نفسي دوماً: هذه المرأة قد تركت عائلتها لكي تأتي إلى هنا وتخدم عائلتَك. بالطبع أفقد أعصابي في بعض الأحيان، لكنّ ذلك نادر جدًّا. حتّى أنني لست أدري ما إذا كنتُ سأبلغ الشرطة في حال سرقت إحداهنّ شيئاً يخصني. أعتقد أننا سنحاول حينها مُعالجة الأمر في ما بيننا. لكن من ناحية أخرى، لا أظن إطلاقاً أنّ إحداهنّ قد تسرقني، فأنا لا أهمل أغراضي كما يفعل البعض. وكما تعلمين، لا أحد يحب الاعتراف بهذا الأمر، لكنّهنّ يسرقن أحياناً بدافع الانتقام فحسب، لأن بعض الناس يسيئون معاملتهن فلا يجدن حينها طريقة أخرى للتنفيس عن نقمتهن. لم أُسِئ معاملة أي واحدة منهن في حياتي. لطالما كنت أقول لهن: إن كنتِ في حاجة إلى أي شي فأخبريني! حتّى أنني لا أُخبئ عنهن جوازات السفر. أقصد أنّي أبقيها في حوزتي حفاظاً على سلامتها فحسب، لكنهن يعلمن دوماً أين أُخبئها، وباستطاعتهن طلبها منّي في أي وقت كان.
لقد مرتّ علينا الكثير من الخادمات. كانت هناك لولا، فلبينيّة. كانت مُتعلِّمةً جدّاً، لديها درجة في التمريض! وحصلنا على فلبينية أخرى من بعدها، ثم على نيباليّة على ما أعتقد – مرّت فترة أتت فيها الكثير من النيباليات للعمل في لبنان. ثم في مرحلة ما، كانت هناك سارة، إثيوبية. كان لديها اسم آخر، لكن نُطقه كان صعباً فقرّرنا أن نسميها سارة. كانت بشرتها داكنة جدّاً. يا إلهي، كانت زرقاء تقريباً مِن شدّة سوادها! كان مشهداً مُدهِشاً بالفعل. لقد فاجأني ذلك، لأن جميع الإثيوبيات اللواتي كنتُ رأيتهن كان لونُ بشرتهن بنيّاً فاتحاً فيما ملامحُهن دقيقة وناعمة – ليس لديهن، كما تعلمين، تلك الأنوف الإفريقية الواسعة. لكنّها كانت مُلفتة للغاية، كانت تستطيع أن تكون عارضة أزياء. صاروا يختارون الآن عارضات الأزياء بناءً على مدى غرابة أشكالهن، هل لاحظتِ ذلك؟
الجزء الثاني
المريول الأزرق
كتابة
أحمد محسن
رسم
حاتم إمام
إنها أمامي الآن بمحاذاة الباب تماماً. أستطيع رؤيتها بوضوح؛ تبتسم وتنتظر. يبدو أني ارتكبت خطأً كبيراً، وأنها تفكّر في معاقبتي. أنا وهي في مواجهة مباشرة. أمثّل العائلة، وهي تمثّل نفسها: الخادمة. أنا كل هؤلاء، وهي وحدها. فلنسمّها مواجهة متكافئة، وأعتقد أني سأربح في النهاية.

قالت إنها ستغادر. في الثانية والربع ظهراً، عندما كنت أشعر بأهمية مبالَغٍ فيها وأنا أشاهد فيلماً وثائقيّاً عن جبال الأنديز، قالت هكذا ببساطة: «انتهى الدوام، سأغادر». قبل أي شيء، كان هذا يعني أنها لن تحضر المنفضة من المطبخ، مع أنه كان بإمكانها على الأقل أن تحضرها قبل أن تخبرني بقرارها المفاجئ. بصراحة، وللوهلة الأولى، لم أشعر بأي ميل للتعسف. بدا الأمر مريحاً. كأني أصبحت في هذه اللحظة بالذات منسجماً مع أفكاري وقناعاتي، ومع كل ما أردده أمام أصدقائي وصديقاتي في المقاهي والسهرات عن الأخلاق وحقوق العمال والعاملات. أخيراً سأثبت لهم أني مع العدالة؛ سأحضر المنفضة بنفسي.
كأنها فهِمت بدورها أني لست مثل الآخرين. يبدو أننا اتفقنا. وضعنا الخطوة الأولى لتحررها مني ومن المجتمع. المجتمع هو الكلب الذي ينبح ضدّها باسمي. أنا لا علاقة لي بكل ذلك. أنا أدافع عنها. عندما قالت «لا» بادَلْتُها الابتسامة. لم أعتبر الأمر شخصيّاً. يمكنني أن أحضر المنفضة بنفسي في النهاية. هذه ليست وظيفتها. لكن ثمة ما لم أفهمه، وهو الشق الثاني تحديداً، أي عندما قالت «سأغادر».

لم يتسنَّ لي التفكير كثيراً بالموضوع. بالكاد هضمْتُ اجابتَها. لمحتها قرب الباب. يبدو أنها جادة، وتفكّر بالذهاب. سمعت صوت المصعد ودبيب قدمين في رأسي. لم أعد قادراً على رؤية أي شيء أمامي. ليست عاملتنا الأولى. إنها الرابعة. وعندما قالت «لا» صُعِقْتُ. أدّعي أني لم أكترث، لكني صُعِقت. إنها الأولى التي تقول «لا». مثل سابقاتها كنت أقول لها صباح الخير فتردّ دائماً بايماءة من رأسها مع ابتسامة. لوقت طويل، كان هذا يعني أنها مثل الثلاث اللواتي مررن قبلها، موافِقة على كل شيء. تحاشياً لأي موقف مشابه. لأني شخص حساس وأُرْبَك بسهولة، لم أطلب منها أي شيء يتعلق بالمنزل. كل ما أطلبه منها بالضبط هو وجودها، طالما أنها ستفهم أننا لن نتناقش في شيء، أو نتحدث في شيء. ستقوم بكل شيء بنفسها. لن أكون مسؤولاً طالما أني لم أطلب منها أن تفعل الأشياء بصورة مباشرة. ستجلي الأطباق وتنظّف الحمّامات وتَكْنِس الأرضية وتلمّع الزجاج بيديها وتفعل كل شيء من تلقاء نفسها، أو بتوجيه من زوجتي. أنا لا علاقة لي بكل هذا.
أخطأتُ وطلبت المنفضة وأنا جاهز للتعويض عن هذا الخطأ الشنيع. عادةً زوجتي هي التي تطلب منها، أو تأمرها لا أعرف، لكن لست أنا. أنا خارج هذا النقاش، إنها مسألة لا تعنيني. ما الذي يعنيه أن تغادر؟ رغم كل شيء لا أفهم سبب هذا التطور. عادةً أحضّر قهوتي بنفسي، ألفّ الساندويشات بنفسي بعد منتصف الليل أيضاً. حسناً، ليس هذا ما يحدث حرفيّاً. كل ما أفعله هو أني أصب الماء في الركوة، وأحياناً أضعها على الغاز. أحياناً أنزل مرطبان البن فقط من الرفوف. ولكني لم أجتز مراحل إعداد القهوة حتى النهاية ولو مرة. كانت تلك إشارة متفقًا عليها بيني وبينها لكي لا تُحرجني وأضطر أن أطلب منها أن تقوم بالأمر. يكفي أن أدخل المطبخ في الصباح وأتجه نحو الأشياء لتفهم حاجتي إليها. بهذا المعنى كان لا بد من إقناعها، وبأي طريقة، بأنها لا تستطيع التوقف عن العمل في الثانية ظهراً، ولا حتى في الرابعة أو السادسة. أفهم أن هناك تنظيماً للعمل، وأن هناك شيئاً اتُّفق على تسميته "دوام"، لكن ليس في حالتها. إنها تقيم معنا.. تنام في آخر الكوريدور.. تأكل لوحدها في المطبخ.. لكنها في النهاية تقيم معنا. في حال صودف وجودي، أنا نفسي، في الشركة مقر عملي في أي وقت بعد موعد انتهاء الدوام الرسمي في الرابعة، فإن المدير يطلب مني في الغالب عملاً اضافيّاً. إنه يفعل ذلك بلطفٍ شديد، راسماً على وجهه ابتسامته الدنيئة.
ما زلت أفكّر برفضها. هل ستغادر فعلاً؟ لا أدري إن كنت سارحاً في خيالاتي أم أن ذلك حدث حقّاً. وقفت في مكاني. وجدت المريول الأزرق بين يدي، وبعد ثلاث محاولات بائسة نجحت بارتدائه. ثم وجدتُني خلف المجلى كجندي يتأهب لمعركة حاسمة. لم يكن ضيّقاً كما توقعت. أمامي مباشرةً كان الوعاء مليئاً بمسحوق الجلي. شرعت أفرك الصحون بقوة، كما لو أني أنتقم. لا فائدة من كل هذا. يتوجب عليّ أن أغسل الأطباق بنفسي. لا حاجة لعلم الاجتماع، للتحليل، للرثاء. سمعت أصواتاً تأتي من غرفة الجلوس. قرقعة كؤوس وقهقهات بصوتٍ مرتفع. تنبّهت إلى أنه لن يمكنني النوم إذا بقيت الأمور على هذا النحو. العائلة تسهر كالعادة حتى وقت متأخر. تنبّهت أيضاً إلى أن سريري ليس هو سريري الذي أنام عليه عادةً. بهذا المريول الأزرق، أنا خارج العائلة، أعيش على طرفها. وهذا السرير، إنه أصغر من أن يكون سريراً، إلى درجة أني بحثت عن تكملته. لا نافذة في الغرفة. بشكلٍ عام كنت أتذمر من الغرف التي لا نوافذ فيها، فكيف أنام في الكوريدور، لمجرد أننا وضعنا حائطاً في جانب منه، وأطلقنا على هذا التخريب اسماً رهيباً... «غرفة الخادمة».

وأنا أغسل الأطباق شرعت أفكّر: تغادر؟ إلى أين؟ لديها غرفة هنا. لماذا تفتح معي حديثاً أصلاً؟ ذات مرة افتعلَتْ عاملةٌ لا أتذكر اسمها معي سجالاً. ببساطة حاولَتْ أن تبدأ نقاشاً في الصباح. كاد ذلك، ببساطة، يجعلنا على درجة متساوية ويذكّرني بأننا لسنا متساويَين، وأنها تعرف ذلك، وأنها تثير حديثاً لكي تخبرني أنها تعرف، وأنها تعرف أني أعرف. لا أتذكر الموضوع بالضبط لكنها تعمدت أن تبدأ حديثاً معي أنا بالذات. آه.. بدأت أتذكر. سألَتْني عن السعودية وكيف تكون الحياة هناك. كادت تحاصرني، إذ كان واضحاً أني أملك بعض الأجوبة. لكني تمالكت نفسي في النهاية ونجحت في التنصل. يومها بقيت المعادلة في مصلحتي. لست مسؤولاً مباشراً عن وجودها هنا، أو فلنكن أكثر صراحة، لست مسؤولاً عما ينتج عن هذا الوجود، من أي موقع. ليس مهمّاً أين أكون، في الأعلى، أو على قدر متساوٍ، ولن أكون في الأسفل طبعاً. لدي عاملة في المنزل. لديها وظائفها ولدي وظيفة سهلة مقارنة بكل ما تفعله: التنصل من وجودها. الاعتراف بوجودها سيعني أني متورط.كان كميناً طموحاً منها، لكني تذرعت بالارتباك وتجاهلت وجودها على أفضل نحو، فأغلقت الحديث قبل أن يبدأ، مستعيناً بتلك الابتسامة الدنيئة. هذه المرة لم أستطع أن أهرب. يجب أن أواجه المسألة.
المشكلة أني منعزل بطبعي. لا أحب التواصل مع الآخرين. قد أكون مجرد شخص يحبّ أن يكون منعزلاً، أو أن يبدو منعزلاً عن الآخرين. سيجعلني هذا أكثر جاذبية بالنسبة إليهم. ربما لأتنصل من عدم رغبتي بالانجذاب إلى أي أحد. لكني لا أرى فارقاً جديّاً بين أن تكون منعزلاً ومعزولاً وبين محبتك أن تبدو كذلك. بالنسبة إلى خادمة -يجب أن نتفق أنها في وضعها الحالي خادمة ولو سمّيناها عاملة أو صبية أو حبيبتي– لا تُحدث كل تصوراتنا عن أنفسنا أي فارق. لقد أعْلنَت أننا متساويَين لحظةَ قالت «لا». كل ما سيحدث بعد ذلك، ولو استطعتُ تحقيقه، سيحدث رغماً عنها، فهي ليست موافقة على حدوثه. يا لها من فكرة مخيفة. كانت الغسالة تصدر صوتاً يشبه أصوات الخطابات التي تعرض على التلفزيون احتفالاً بالمناسبات الوطنية. يجب أن أفعل شيئاً لأوقف الغسالة على الأقل إن لم أكن قادراً على إيقاف الخطابات. خلف الغسالة بدا كل شيء متصلاً: النظام كيف يعمل.. الخطاب.. الدوران.. الصوت.. الإنذار النهائي... لم أجد الزر المناسب فنزعت الشريط الكهربائي من أساسه. بقيت واقفاً وشارداً. ما الذي قد يحدث إذا شبّ حريق وأنا لوحدي في المنزل؟ الآن أنا الخادمة. لن يأتي أحد من هناك ليساعدني إن حدث شيء ما. أنا لوحدي على هذا الحال كل اليوم. هم يسهرون في الخارج. خرجت إلى الشُّرفة قليلاً فتجمع الجيران على الشرفات المقابلة وصاروا يشيرون إليَّ ويضحكون. فهمت سريعاً أنه المريول الذي يثير استغرابهم. لم يعتد أحد مشاهدة رجل أبيض يحمل مكنسة ويرتدي مريولاً فضفاضاً ثم يخرج إلى الشرفة. قد يشاهدون رجلاً مثل هذا في مكان عام، ربما محطة بنزين أو مطعم، لكن ليس على الشرفة. هناك توزيع اجتماعي غير معلن للحضور والغياب في كل حيّز. أولاد الكلب كانوا يضحكون بصوت مرتفع، لدرجة أني لم أعد قادراً على التحمّل، فدخلت.
في الصالون توقف كل شيء فجأة. تذكرت السكون عندما أحضرناها من المطار. في صالون السيارة كانت ترتجف عندما أتحدث. لا بد أنها كانت خائفة لأني صرخت قليلاً. كل ما في الأمر أن ابنتي الصغيرة، التي يصدف أني في موقع متقدم عليها في منظومة العائلة، كوني الأب، كما تعلمون، فعَلت شيئاً لم يكن يجب أن تفعله. أخرجت يدها من النافذة. لشدة خوفي عليها طبعاً، وكوني مسؤولاً وأتعرض لضغوطات هائلة، في العمل وفي كل مكان، وجدت نفسي خائفاً على ابنتي. صرخْتُ حتى سكت الجميع في السيارة. أسمّي هذا تشاركاً للخوف، لأن قدرتنا على مشاركة المسؤولية في هذه اللحظة معدومة. مع الخادمة، سيمتد هذا الشعور طوال الوقت، لحظة تلو لحظة. وخوفاً تلو خوف. لا يمكننا أن نتشارك المسؤولية، بل يمكننا أن نصدّر خوفنا كاملاً إلى الآخرين من موقع السلطة. هي تخاف منّي، وأنا أقنع نفسي أني أخاف من أن أكتشف مصدر خوفها وسببه، وأعجز عن تبديد هذه الأفكار، أحياناً بالنكات التافهة، وفي أغلب الأحيان بتجاهلي وجودَها. كنت أعلم دائماً أنها يجب أن تكون موجودة لكي أستطيع تجاهلها. وهكذا قلبَتِ الطاولةَ عليَّ، وأصبحْتُ مربكاً من دون أي لبس. ستغادر؟ لن تعود موجودة؟ الآن تنبّهتُ إلى أني أتجاهل وجودي أنا، لأني لم أعد قادراً على تجاهل وجودها هي. الآن، أنا الخادمة.
جلست إلى الكنبة نفسها، فأنا لا أرتاح إلا على هذه الكنبة. أعدت ظهري إلى الخلف، ولكسر الرتابة حككت ذقني بجميع أصابعي. لسبب ما اعتقدت أن هذه الحركة ستدفعني إلى التفكير على نحوٍ أوضح. ما أحاول قوله، هو أنني منفتح، ولست كالآخرين. لدي أفكار مختلفة، وأحاول تطبيقها. ليست هذه مِنَّةً مني، ولكني أحرزت تقدماً عندما أقارن نفسي بالذين لم يحرزوا شيئاً. لا أعرف ما هو التقدم بالضبط، لكني أحرزت تقدماً يتمثل بقبولي إحضار المنفضة بنفسي. حتى أني، في خيالي، غسلت الصحون. وإذا كان هذا غيرَ كاف فسأبذل جهداً اضافيّاً. لكن لا يمكنني أن أكون خادمة إلى الأبد. شعرت أني وحدي. أني بعيد عن كل شيء وعن الجميع. الوقت أطول من قدرتي على الاحتمال. مثل الجميع، سألت نفسي عن جدوى الحياة، وعما يحدث بعد الموت. مثل الجميع، في لحظة تعب، فهمت أنه يجب أن أضع نفسي في مريولها حتى النهاية. كنت متأكداً من أني لست شجاعاً بما يكفي. خرجت إلى الشرفة. وقفت في وجه الذين كانوا يضحكون عليّ، ولم أجد طريقة لأسكتهم سوى أن أقفز. ارتعبت وقفلت عائداً.
«سأغادر».. بينما كنت أحاول طرد صدى جملتها الذي يتردد بلا توقف مثل آثار صدمة، انتبهت لبرهة إلى أنها ببساطة لن تتمكن من الذهاب هكذا. فلدي جواز سفرها. الدولة معي والأمن العام والقانون. الجميع معي، بمن فيهم الذين لا يحبونني. الذين يغارون مني لأني أعيش في هذا البيت الكبير، والذين ينظرون إلي كمتطفل على البورجوازيات العريقة. جميعهم ضدّها. وحتى لو قبِلَتْ فلن يسمحوا لها بتغيير قواعد اللعبة. الذنب ليس ذنبي، لا يمكنها أن تذهب. خلعْتُ المريول ورميته على الأرض. تقريباً بدأت أصحو. رفعت رأسي. كل شيء ما زال في مكانه وأنا أيضاً. الوثائقي مستمر، وصلوا الآن إلى بوليفيا. أدرت وجهي نحوها ونظرت إليها. كانت الساعة تشير إلى الثانية والربع، وهي لا تزال في مكانها تنتظر، وكنت أنتظر بدوري أن تُحضِر المنفضة من المطبخ.
حسنت لنا علاقتنا الزوجية

بيحب يمشي بالبوكسر

أنا ما رح فيني غير الكوكب

صار عندها علاقة حنان مع الأولاد

بقول بنتي

منعيش حياة أكبر من إمكانياتنا

سودة ومن ثقافة تانية بخفف من حضورها

الجزء الثالث
مونولوغ الأقدار
كيف نفتح كوّة في جدار المتوارث؟
كتابة
جوي سليم
رسم
حسان زهرالدين
مقدمة
تتقاطع مستوياتٌ ثلاثة في العلاقة بالعاملة المنزلية، لا سيما علاقة الرجل، المخدوم، بها. الجندر والعرق والطبقة مكوّنات أساسية في وجود العاملة وفي (لا)مرئيتها في المنزل/ مكان العمل. في هذا الإطار، نطرح أسئلة عدة أهمها: كيف يتعامل الرجل مع امتيازاته ولو كان يرفضها في المبدأ؟ وهل ينتصر القالب الاجتماعي دائمًا على الفرد؟ أمَا من كوّةٍ نستطيع فتحها في جدار البنى السابقة لوجودنا وأفكارنا؟
مونولوغ صباحي
أستيقظ، وأسارع إلى وضع الرّكوة على النار لأعدّ قهوتي الصباحية. في انتظار غليان الماء أخرج إلى الشرفة قليلًا. في هذه اللحظات تكون العاملة المنزلية قد وقفت مكاني أمام فرن الغاز لتكمل تحضير قهوتي.
أفضّل ألا أتعامل مع عاملة منزلنا. فأترك غالبًا لزوجتي برنا تلك المهمة أو المسؤولية المحرجة. لعلّي أخجل إلى حدّ ما من هذا الوضع. فأنا أساسًا أرفض معظم أركان منظومة القيم الاجتماعية التي نعيش في ظلها. سعيت في تجارب حياتي إلى مناهضة موروثات علاقة الرجل بالمرأة، فساندت المطالبة بالمساواة بينهما في المجالات كلها.
لكنني غالبًا ما أسأل نفسي: ألا يقتصر ذلك على النظريات والمواقف النظرية، أو على الوعي، ولا يشمل الممارسة العملية؟
أعني بذلك مثلًا: أن تكون جالسًا في المنزل وترغب في أمر ما، فتطلب هكذا تلقائيًّا من شخص آخر القيام به، أو يبادر هو من تلقاء نفسه إلى القيام به عنك بدل أن تقوم به أنت بنفسك. إنه مَثَلٌ بسيط، بسيط ومغرٍ أيضًا، لكن بساطته لا تمنع السؤال: إلى أي مدى يمكنك التعايش مع الفكرة الكامنة وراء هذه الممارسة البسيطة؟
الأم والعاملة المنزلية
أتذكَّر برنامجًا تلفزيونيًّا بثّ اسكتشًا هزليًّا راج واشتُهِر في مطلع الألفية الثالثة: طفل اسمه بيبّو (فادي رعيدي) يشتكي من أن والدته تهمله، حتى أنه في بدايات وعيه ظنّ أن العاملة السريلانكية في منزل العائلة هي أمه، ومرةً قدم لها هدية في عيد الأم بدل أن يقدمها لأمه.
لشدة واقعيته، نال هذا الاسكتش التلفزيوني شعبية واسعة آنذاك، وتزامن شيوعه مع انتشار ظاهرة استخدام العاملات الأجنبيات انتشارًا واسعًا في منازل فئات الطبقة المتوسطة اللبنانية في أواخر التسعينيات.
مونولوغ منزلي
يتهيأ لي أحيانًا أن منافسةً ما تدور بين سيدة المنزل وعاملتها المنزلية، كأنما الظروف وضعت هاتين المرأتين في مباراة غير معلنة على القيام بالدور نفسه.
ببساطة، يمكن إحداهما أن تحلّ محل الأخرى. أما الرجل، الزوج أو الأب، فيظل في موقعه أو مكانته لا ينازعه عليهما أحد، ولا يؤثر أحدٌ في دوره المحدد تاريخيًّا.
صوت خارجي
اعتبارًا من عام 2000، قدرت شعبة السكان في الأمم المتحدة أن 49 في المئة من جميع المهاجرين على مستوى العالم هم من النساء أو الفتيات. ووصلت هذه النسبة إلى 51 في المئة في المناطق الأكثر تقدمًا1Women and international migration, Division for the Advancement of Women Department of Economic and Social Affairs United Nations, 2004.. ووفقًا لتقرير الشعبة للعام 2004، تهاجر النساء للعمل في الخارج استجابة لطلب عمل خاص بنوعهن الجندري. عمل يعكس القيم والمعايير والقوالب النمطية والتسلسلات الهرمية القائمة على أساس الجندر. وهكذا، على الرغم من أن قوانين قبول العمال المهاجرين عمومًا لا تميز بين الجنسين، فإن الطلب على عاملات المنازل والممرضات يركز على توظيف المهاجرات. علاوة على ذلك، وحتى في بلدان العاملات أيضًا، يكون عرض العمالة النسائية بحسب معايير النوع الاجتماعي والقوالب النمطية التي توجه المرأة إلى بعض المهن التقليدية للإناث.
مونولوغ: خاطرة تاريخية
أعتقد أن المسألة لا تتعلق فقط بمجيء العاملة إلى المنزل، بل أن جذورها ضاربة في التاريخ البعيد للبشر والمجتمعات، وفي تاريخ كل شخص منا. وقد يكون الأمر مرتبطًا بالتربية التقليدية الذكورية.
مثلًا، يجد الرجل عملًا بسهولة أكثر من المرأة، ويجد سبلًا تمكِّنه من تحصيل المال أكثر بكثير من المرأة.
أما المشكلة الأساسية فتكمن في أن العلاقات الاجتماعية لا تزال قائمة بناءً على أن الرجل يمتلك مؤهلات لا تمتلكها المرأة، وأنه أكثر كفاءة منها، ولا يزال يُعتبَر المنتجَ الأساسي في كل منزل.
صوت خارجي
"لا تزال أسواق العمل تميّز إلى حدّ كبير بين الجنسين، ولا يزال أجر المرأة أقل بكثير من أجر الرجل. وتشير الدراسات إلى أن أسواق العمل المتاحة للنساء المهاجرات في بلدان الهجرة لا تزال محدودة، وأن النساء لا يزلن يقدِّمن عمالة منخفضة التكلفة"2Moukarbel Nayla, Sri Lankan Housemaids in Lebanon, A Case of ‘Symbolic Violence’ and ‘Everyday Forms of Resistance, Amsterdam University Press, p.12..
و"تخسر المرأة عامةً أكثر من 400 ألف دولار على مدار حياتها المهنية، لكن معظم نساء البشرة الملونة تخسر الواحدة منهن أكثر من ضعف ذلك3O'Connor Lydia, The Wage Gap: Terrible For All Women, Even Worse For Women Of Color, The Huffington Post, April 12, 2016. ، فإذا كان متوسط دخل المرأة المتوقع على مدار حياتها أقل بـ430.480 دولارًا4في عام 2016، كانت مكاسب المرأة أقل من أرباح الرجل في جميع الولايات الأميركية ومقاطعة كولومبيا، وفقًا لمسح أجراه مكتب الإحصاء الأميركي. وبلغت نسبة الدخل القومي للإناث إلى الذكور 81.9 ٪ واحتلت ولاية يوتا المرتبة الأدنى بنسبة 69.9 ٪، بينما احتلت ولاية فيرمونت المرتبة الأعلى بنسبة 90.2%. من متوسط دخل الرجل الأبيض، فإن على المرأة الأميركية من السكان الأصليين مثلًا، أن تتوقع كسب 883،040 دولارًا أقل، بينما تكسب نساء البشرة السوداء أقل من 877،480 دولارًا، وتكسب النساء اللاتينيات 1،007،080 دولارًا أقل على مدى حياتهن"5O'Connor Lydia, The Wage Gap: Terrible For All Women, Even Worse For Women Of Color, The Huffington Post, April 12, 2016..
استنتاج: أصل التفاوت
تلك الفكرة عن الفرق في المؤهلات بين الجنسين قادرة وحدها على خلق هذا التفاوت في الدخل بينهما وإدامته.
أنا أؤمن تمامًا بمسألة المساواة بين الرجل والمرأة، لكنني أتقاضى أجرًا أعلى من الذي قد تتقاضاه زوجتي، لا لشيء إلا لأنني رجل وهي امرأة. ومن الطبيعي أن ينعكس التفاوت على الامتيازات في المنزل، فتقاضي المرأة راتبًا أعلى من راتب زوجها لا يعفيها من القيام بالأعمال المنزلية، إلا في حالات استثنائية، ربما.
تكمن علّة ذلك في نظرة المجتمع الذي يوجهنا بلا وعي منا، وخصَّ المرأة بالتدبير المنزلي.
ذكرى عائلية
أذكر من طفولتي أن أهلي اصطحبوا أختي سعاد للعمل معهم صيفًا في قطاف بستان تفاح. وراحوا ساخرين يقولون إنها تعمل "مثل الصبيان".
كأنهم لم يصدقوا، أو لم يريدوا الاعتراف بأن المرأة تعمل حقًّا أعمالًا مكرسة للرجال، أو أنهم -مهما فعلَتِ المرأةُ- لا يجدون لعملها خارج المنزل صفةً ومعنى إلا إذا رفعوه إلى مرتبة عمل الرجال.
صوت خارجي
"تعرِّف الأمم المتحدة العاملـ(ـة) المنزليـ(ـة) على النحو الآتي: "يقدم عمال المنازل، ومعظمهم من النساء، خدمات لا تقدر بثمن للأسر. وهم/هن شطر كبير من القوة العاملة العالمية غير الرسمية. لكنهم/لكنهن من أكثر الفئات ضعفًا في القوى العاملة، ويواجهون انتهاكات كثيرة في مجال حقوق الإنسان والعمالة. ويلاحظ أن امرأة من كل 25 عاملة مقابل أجرٍ مستخدمَةٌ في الأعمال المنزلية على مستوى العالم. ووفق المصدر نفسه، تشكل النساء 81.5 في المئة من العمالة المنزلية، و73.4 في المئة من العمالة المنزلية المهاجرة"6.إنفوغراف "أوضاع العمالة المنزلية حول العالم"، 2016.
خاطرة: دول فقيرة ونساء
دول فقيرة إذًا تَستقدِم النساءَ من دول مثلها فقيرة. تستقدمهن في شروط مجحفة وظالمة إلى حد كبير. وفي العمل المنزلي تحلّ هؤلاء العاملات محل النساء في أدوار متوقعة منهنّ في التدبير المنزلي. طبعًا، من دون أن تحصل العاملة على امتيازات السيدة، سيدتها.
مونولوغ: الجندر والعرق والطبقة
تنبّهتُ قبل قليل إلى أنني طلبت من برنا أن تفرغ منفضة السجائر. لماذا لم أفرغها أنا بنفسي؟! فأنا من أدخن وأحتاج إليها. كأن هذا مصدره ميل عميق وقوي تشبث بنا وبسلوكنا وننقاد إليه رغمًا عن إرادتنا.
قد يعود هذا الميل إلى تربية مكرسة عميقًا في الذَّكَر جعلَتْه يتعوّده، ليتكرّس وكأنه امتياز له مستقلٌّ عن قناعاته وإرادته. ميل عميق يجعلنا مبرمجين تلقائيًّا على أن المرأة هي من تقوم بالأعمال المنزلية التي يستفيد منها الرجل.
أما عندما يقوم الزوج بعمل منزلي ما، فإنه يقوم به استثنائيًّا وعلى سبيل "المساعدة". وعلى الرغم من ثانوية عمل الرجل في المنزل وهامشيته، إلا أنه يكتسب قيمة مضافة، كما أن عمله هذا لا يصدر عن "واجب"، على خلاف عمل النساء.
إذًا، للمسألة تاريخ أقدم وأوسع بكثير من حصرها في مسألة الخادمة المنزلية وقصرها عليها. وأعني بتاريخية هذه المسألة قِدَمَها واتساعَها: فكرة الامتياز بممارساتها وتبعاتها. امتيازاتنا نحن الرجال.
فالمرأة هي من تقوم بالأعمال المنزلية، قبل إيكالها إلى خادمة.
أتذكَّر جدتي كيف جُنّ جنونها مرةً حين رأتني أقوم عن المقعد في صالون منزلنا لإحضار فنجان قهوة لي. جُنّت لأنني قمت بنفسي لإحضاره، لا شقيقتي سعاد من بيننا نحن الثلاثة الجالسين معًا في الصالون. لم يكن ثمة جدال في يقين جدتي القديم المتوارث بأن من يتوجب عليه القيام لخدمتي، أنا الصبي الذَّكَر، هي أختي سعاد الأنثى. وأنا نفسي شعرت، إذ قمت لإحضار فنجان قهوتي وسمعت استنكار جدتي، بأنني أسدي خدمة لشقيقتي.
فلنسأل سؤالًا بدائيًّا هنا: لماذا تنحصر العمالة المنزلية بالنساء فقط؟ لماذا لا نجد رجلًا مهاجرًا ينزل في بيت عائلة ليعمل عاملًا منزليًّا لديها ويهتم بأطفالها؟
ونشير هنا إلى أن عبارة "عامل منزلي" أو "خادم منزلي" (بصيغة المذكّر) غريبة لغويًّا وغير مألوفة على السمع. لماذا؟
لأن هذا النوع من الأعمال ملقى تاريخيًّا على عاتق النساء، ولولا المسلّمة التاريخية بعدم تقاسم الزوجين العمل المنزلي مناصفةً لما اضطرت المرأة إلى إلقاء ذاك العمل على عاتق امرأة أخرى.
يكمن جذر المشكلة إذًا في تقسيم العمل بين الجنسين، أو في ما يسمى "الأدوار الطبيعية". ويمكن القول إن حضور الخادمة يلغي كل محاولة لتكريس المساواة في المنزل.

صوت نسائي بعيد
"كل زوجة تكافح وحدها في الضواحي، وفيما توضب الأَسِرّة، وتتسوق من البقالة (...) وتأكل شطائر زبدة الفول السوداني مع أطفالها، وتتمدد إلى جانب زوجها في الليل، كانت تخشى أن تسأل نفسها السؤال الصامت: هل هذا كل شيء؟"7Friedan, Betty. The Feminine Mystique, W.W. Norton and Company, INC. New York. P. 44
صدر كتاب "اللغز الأنثوي" للمناضلة النسوية الأميركية بيتي فريدان عام 1963. يُعتبر هذا الكتاب من بين أسس الموجة الثانية في الحركة النسوية والذي طرح على نطاق واسع مشكلة "ربّات المنازل" في الولايات المتحدة. أرادت فريدان بواسطة "اللغز الأنثوي" تفكيك الافتراضات القائلة بأن المرأة تتحقق فقط من خلال الزواج والأطفال والأعمال المنزلية
.
"لم يعد من الممكن تجاهل هذا الصوت الداخلي لدى النساء. الصوت الذي يقول: أريد شيئًا أكثر من زوجي وأولادي ومنزلي"8Ibid. p. 60.
مونولوغ: ثمن تحرر النساء
لعل هذا هو المستوى الأول من المشكلة. أفكر أحيانًا في أن العنصرية تلعب -إلى جانب التمييز الجنسي ضد المرأة- دورًا أساسيًّا في تكوُّن مشكلة العمالة المنزلية، إذا جازت تسميتها على هذا النحو.
فعاملة المنزل، أقله في لبنان، هي دائمًا امرأة ملونة. أعلم أن كثرة من العاملات المنزليات في القرن الماضي كنّ لبنانيات وسوريات وفلسطينيات. لكن تلك الظاهرة انحسرت مع مرور الوقت، حتى اختفت نهائيًّا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990).
يندر اليوم أن نجد عاملة منزلية عربية تقيم في بيت عائلة لبنانية. لعلّ سبب ذلك -إلى جانب شكل سوق العمل ونسبة المهاجرات والمهاجرين للعمل- يكمن في أن استخدام عاملة سوداء البشرة يريح مخدوميها. يريحهم لأنها تضمن لهم مقدارًا ليكونوا "لامرئيين" حيال حضورها بمقدار ما يكون حضورُها هي أيضًا غير مرئي منهم كذلك. فكلما كانت جنسية/هوية العاملة غريبة، و"أدنى" مرتبة في سلّم مراتب الجنسيات/الهويات بين البلدان، يكون حضورها في المنزل "أخف وطأة"، لأن امتيازاتها تكون ضئيلة جدًّا. كأن ذلك أصبح عرفًا عنصريًّا غير معلن في خصائص نظام الكفالة القائم في لبنان.
هنا تكمن مفارقةٌ: ارتبط تحرر المرأة ونضالُها لنيله وتحقيقِه باتساع العنصرية والتمييز ضد نساء أخريات. فسعي النساء حول العالم إلى التحرر من عبء "أدوارهن الطبيعية" التي تقوّض طموحهن وتحدّ من حريتهن، أدى إلى أن تتحمل نساءٌ أخريات أقل امتيازًا تبعات سعيهن ذاك ويدفعن ثمنه.
صوت خارجي: التحرر من العمل المنزلي
"هل أنشأنا في الواقع نظامًا يضمن تحرير مجموعة من النساء ليكرس استغلال مجموعة أخرى من النساء؟"9Hooks, Bell, Where We Stand... Class Matters, Routledge, 2000, p. 106.
في كتابها المرجعي، أشارت بيتي فريدان إلى "المشكلة التي ليس لها اسم". وهذه عبارة تصف فيها عدم رضا النساء اللواتي يشعرن بأنهن محاصَرات وخاضعات في منازلهن بصفتهن "ربّات منزل". إنهن نساء الطبقة الوسطى البيضاء اللواتي كنّ يتمتعن بامتيازات كثيرة لكنهن يشتكين من ظاهرة "حبسهن في المنازل" في وقت كانت الغالبية العظمى من النساء في البلاد من القوى العاملة، وكثرة منهن يعملن ساعات طويلة مقابل أجر منخفض، ويَقُمن إضافة إلى ذلك بكل الأعمال في منازلهن. وجراء وضعهن هذا وجدن أن الحق في البقاء في المنازل حرية لهن"10Ibid. p.102.
مونولوغ: نساء ونساء أدنى
إذًا، فلنقل إن تقسيم العمل القائم على الأدوار الجندرية هو جوهر مشكلةٍ متعددة الأشكال والأبعاد تطاول سهامُها الأقلَّ امتيازًا على مستوى الطبقة والعرق، فلربما لو كان دور الرجل في المنزل مطابقًا تمامًا لدور المرأة -من الأعمال المنزلية إلى رعاية الأطفال- لما احتاجت النساء للُّجوء إلى نساء أخريات من طبقات أدنى للحصول على المساعدة.
مونولوغ: رجل رغمًا عنه
صحيح أن مسألة التمييز بين الجنسين قد تختلف من رجل إلى آخر. لكن الاختلاف أو الفرق في درجات هذا التمييز لدى الرجال لا يلغي الفرق الأساسي بين التمييز على مستويين، ذهني وعملي، لدى الرجال أنفسهم. يمكن رجلًا ما أن يقرَّ بالمساواة بين الجنسين ذهنيًّا من دون أن يمارسها عمليًّا في سلوكه، فمسألة التمييز بين الجنسين راسخة في داخلنا، وتتجاوز إرادتنا، وقد يمارسها هذا الرجل على نحوٍ أقل حدةً من ذاك، أو بأسلوب لبق، لكن الجميع في نهاية المطاف يشارك في هذا التمييز القائم على أساس الجنس.
كيف يحدث التمييز أو الامتياز؟
هو يحدث بالظبط وفي هذه الحال، حينما أمارسه على غير إرادة مني، أو من دون رضاي الذهني عن ممارسته. أستغل دوري الذي مُنحتُه تاريخيًا، لأنه يفيدني ويحقق مصلحتي. كأنما الشخص، على رغم تجاوزه الذكورية، ذكوريته، على المستوى الذهني، هناك لحظات ومواقف معينة تعيده إليها، فيستفيد من كونه ذكرًا. أنا أعتبر نفسي متحرراً في هذه المسألة. أنا ابن بيئة تقليدية تميز بين الرجل والمرأة، لكنني خرجت عليها. أعتبر أنني قمت بثورة ما، فردية، في هذا المجال. تبنيت أفكارًا جديدة مرتبطة بالتحرر والانفتاح. ولكن يبدو أن من الصعب التعويل على قيام الشخص بعملٍ ضد مصلحته.
أنت في موقعك تمتلك سلطة ما، فكيف تتصرف على نحو يجردك من هذه السلطة؟ مهما تبنيت نظريات وأفكاراً عن المساواة، من الصعب أن أتخلى ببساطة عن امتياز أمتلكه. عندما يكون الأمر يناسبني ويريحني، أقوم به ولو كان على حساب المرأة. خاطرة: وحدة الأسرة قدرًا!
إذا ما نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة، وما شهدته من تغيير كبير في ديناميات علاقة الرجل بالمرأة، نجد أن القوانين هي التي أرست هذا التغيير. لا، لم يعتمد تغيير تلك العلاقة على إرادة الأفراد أو رغباتهم. وليس الرجال هم من يحقق العدالة في هذه المسألة!
من جهةٍ أخرى، وإلى جانب البعد القانوني الأساسي، هناك بعدٌ نادراً ما يتطرق إليه الحديث عن الأدوار الجندرية وتقسيمها بين الرجل والمرأة: التعامل مع وحدة الأسرة باعتباره قدراً.
خاطرة: وحدة الأسرة قدرًا!
إذا ما نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة وما شهدَتْه من تغيير كبير في ديناميات علاقة الرجل بالمرأة، نجد أن القوانين هي التي أرست هذا التغيير. لا، لم يعتمد تغيير تلك العلاقة على إرادة الأفراد أو رغباتهم. وليس الرجال هم من يحقق العدالة في هذه المسألة!
من جهةٍ أخرى، وإلى جانب البعد القانوني الأساسي، هناك بعدٌ نادرًا ما يتم التطرق إليه، وهو الحديث عن الأدوار الجندرية وتقسيمها بين الرجل والمرأة: التعامل مع وحدة الأسرة باعتباره قدرًا.
صوت خارجي
"لقد انتهى عهد العبودية المنزلية للمرأة! انتهى عهد انعدام المساواة داخل الأسرة! وانقضى زمن خوف المرأة من أن تجد نفسها، هي وأطفالها، بلا معيل إذا ما هجرها زوجها، فالمرأة في المجتمع الشيوعي لن تعتمد بعد الآن على زوجها وإنما سوف تعتمد على عملها، ولن يعيلها زوجها وإنما ساعداها القويان. ثم إن الزواج سوف يُطهَّر من مقوماته المادية وأثقاله المالية كافة التي كانت تشكل لطخة عار في الحياة العائلية حتى الآن"11.كولونتاي، ألكسندرا، اتحاد عاطفي رفاقي، الشيوعية والأسرة، دار الطليعة والنشر، 1978، ترجمة فواز طرابلسي وطلال الحسيني
https://www.marxists.org/arabic/archive/kollontai/1920/communism_and_the_family.htm
في مطلع القرن العشرين، عملت المناضلة الروسية ألكسندرا كولونتاي على إلغاء مفهوم "الأسرة" بعد الثورة البلشفية، بوصفها أحد موروثات النظام الرأسمالي التي يجب التخلص منها. كتبت نصوصًا عدة عن ضرورة اضمحلال الأسرة القديمة وتحرر المرأة من الأعباء المنزلية التي كانت قبل الثورة تشكل دعائم تماسك الأسرة كوحدة اجتماعية. إن شكل الزواج والعائلة في نظرها محدد من قبل السيستام الاجتماعي لحقبة معينة، وهو يتغير مع تغير القاعدة الاقتصادية للتغيرات المجتمعية. والعائلة، بالطريقة نفسها، مثل الحكومة، الدين، العلوم، الأخلاقيات، القانون والملابس، هي جزء من البنية الفوقية التي تشتق من السيستام الاقتصادي للمجتمع.
.
خاطرة - خلاصة: فردية حصيفة
لا يبدو أن التخلّص من المنظومة الرأسمالية التي نعيش في ظلها أمر قد يحصل في المدى المنظور. إن تغيير تقسيم العمل القائم على التمييز بين الجنسين يسير ببطء على بعض المستويات، ولا ينذر بإحداث ثورة داخل الأسرة تكرس العدالة بين الرجل والمرأة.
لذا قد يكون الحلّ في الوقت الراهن فرديًّا: أن يعزف كل من يخرج من منظومة القيم السائدة عن الانخراط في قوالبها الاجتماعية القائمة، مجنِّبًا نفسه والآخرين ظلمًا واستغلالًا لا مفرّ منهما في حال مجاراته البنى التقليدية السائدة. وبذلك قد يساهم في تغيير، ولو ضئيل، في نظام سوق العمل القائم.
الجزء الرابع
برنار
كتابة
مايا عبد الملك
رسم
لينا مرهج
الصورة التي يمكن رسمها عن جوسلين هي أنها زوجة مثالية وأمٌّ متفانية تدير منزلها بعناية وإتقان. هي أيضًا امرأة جميلة وأنيقة، تجمعها علاقات اجتماعية بالكثير من الأشخاص، وبرجوازية كريمة إنما حازمة مع موظفيها.
لكنْ شيئًا فشيئًا، بدأت الشقوق تظهر في جدران هذا العالم الذي بنته لنفسها، فالفراغ يتربّص بها، وشبح المرارة والخيبة والوحدة لا ينفكّ يطاردها. في ما يلي مقتطفاتٌ من يومياتها التي كتبتها على مدى ثلاثين عامًا، بين سنّ العشرين والخمسين.
3 مارس 1988
ما أن انتهينا من تناول الطعام حتى راح (برنار) يلومني إذ لم أفرغ المائدة، فانتابني شعور بالخزي. رغبت في أن أشرح له أن كل ما نحن فيه جديد بالنسبة إلي، وأنني لم أختبر قط العيش من دون بستاني، ولا طبّاخ، ولا سائق، ولا خادمة، ولا أمي وشقيقاتي... ووحيدةً في هذا البلد "المصقَّع" البعيد تسعة آلاف كيلومتر ونيِّف عن وطني. كنت أود بشدة لو أن (لبنى) عاملة التنظيفات المغربية لم تفارقنا للعودة مساءً إلى منزلها. أنا أحب زوجي الغالي (برنار)، لذا لم أتفوّه بأي كلمة، ورحت أنقل الأكواب والأطباق والشِّوَك والسكاكين المتّسخة إلى الجلّاية. في عمر العشرين، كانت تلك المرة الأولى في حياتي.
6 يونيو 1989
أصبح (برنار) بشكل رسميّ جرّاحاً في عيادة مهمة في (أوتاوا)، وأنا فخورة جدًّا به. نشكّل عائلة جميلة. أبذل قصارى جهدي كي أدير المنزل وأكون أمًّا وزوجة صالحة. عند حلول المساء وفور رحيل (لبنى)، سرعان ما أضع (ياسمين) في السرير. أحاول أن أحسب وقتي جيدًا، فما أن تغفو يجب أن أكون جاهزة لاستقبال (برنار) العائد من العيادة. حسنًا فعلتُ عندما أقلعتُ عن دراسة علم النفس وإلّا لما استطعت أن أكرّس نفسي بالكامل لعائلتي. كما كانت أمي تردّد دومًا عندما كنا نعيش في (أفريقيا): إن حسن إدارة المنزل أصعب المهن. كانت على حق.. على المرأة أن تكون سخيّة ومتكتمة ومتطلبة. اشتقت إلى أمي، اشتقت إلى شقيقاتي.
12 ديسمبر 1992
عندما أفكر أن (برنار) اشتكى لدى والدته عبر الهاتف من أنني لا أجالسه فيما هو يتناول العشاء مساء أشعر باستياء كبير. لقد وبّخت (لبنى)، فهي شديدة البطء لدى تنظيفها زجاج النوافذ! هو لا يدرك مدى إرهاقي في المساء، إذ يعود عند العاشرة مرتاحًا ويطلب أن أكون أنيقة ومتفرغة له! بعد رحيل (لبنى) عند السادسة مساء، لا تعود لدي أي دقيقة فراغ. (ياسمين) و(زينة) تثيران عصبيّتي ولا تدعانني أرتاح ولو دقيقة... أمي أريد هذا، أمي أريد ذاك.. فلا أعود أتحمّل. (زينة) تستيقظ كل ليلة! بالطبع لا أستطيع دعوة (لبنى) للنهوض وتفقّد ابنتي مكاني، فالـ"مدام" نائمة بهدوء في منزلها! أحب زوجي (برنار) لكنه يبالغ أحياناً. مذ أصبح رئيس القسم بات أقلّ تساهلاً معي، فهو يحسبني طاهية والدته التي تبقى مستيقظة حتى الثانية صباحاً. لا! سأخلد للنوم عند العاشرة ليلاً. نقطة على السطر!

5 يناير 2008
(برنار) يلومني على طباعي السيئة. طباعي ليست سيئة، لكن لدي طباع فقط! صحيح أن فورات غضبي تزداد: أصرخ بوجه (لاتي) وبوجه أولادي وبوجهه. لكنني ما عدت أتحمّل أن أكون بشكل غير مشروط في خدمة أولادي وزوجي وعائلتي وأصدقائي. ما عدت أتحمّل أن أكون جميلة ومبتسمة ومتكتمة. أتأمل نفسي خلال مآدب العشاء فيما أتأبط ذراع (برنار) ولا أعرف نفسي. من أنا؟ ما عدت إلّا واجهة، ما عدت إلّا شبحاً عن نفسي. ما عدت قادرة على التنفس في هذا الزيّ التنكري الذي أرتديه منذ مدة طويلة جدًّا. أرغب في الصراخ، في البكاء، في الهروب. لحسن الحظ أنني لم أخضع لعملية تجميل الشفاه رغم إصرار (برنار). كانت تلك مقاومتي الصغيرة.
1 يونيو 2011
اليوغا تفيدني كثيراً. أسترجع نَفَسي، تَنَفسي. أتعلّم أن أكون أنا. مذ إعلان الطلاق، أصبحت أتنبّه أكثر للآخرين. ما عدت أخجل لأنني امرأة مطلقة أمام أمهات رفاق (رمزي). تحررت من سجني. أفكر في (ياسمين) و(زينة) وأتخيّلهما، إحداهما في (روما) والأخرى في (كندا). أود أن أقول لهما: كونا على سجيّتكما يا ابنتيَّ، خذا الوقت اللازم للاهتمام بحديقتيكما. يجب أن أهتم أكثر بـ(لاتي) وأن أقترح عليها مشاهدة التلفزيون في غرفة الجلوس خلال غيابي. قلت لها هذا الصباح: "أنت هنا لمساعدتي لكن لديك وجود خارج العمل الذي تنجزينه لأجلي. أنت موجودة يا (لاتي)!". لم تقل شيئاً.. لربما لم تفهم. درّبنا معاً الشابة الأثيوبية التي أصبحت تعمل عند (برنار) كي تدير شؤون منزله على أكمل وجه وتكوي بذلاته إرضاء لذوقه. علّمتها جيدًا كيف تكون متكتمة، فأنا أعرف (برنار). لا يحب الشعور بوجود الخدم في المنزل. بطريقة ما أنا مطمئنة لأنني أعرف أنها تعمل لديه. هذا يخفف عني عبئًا.

10 سبتمبر 2018
بلغت للتو الخمسين من العمر. عما قريب سيسافر (رمزي) إلى الخارج لإتمام دراسته الجامعية وسأجد نفسي وحيدة في هذا المنزل الكبير. أفتقد بناتي الثلاث، فقد تركن فراغًا كبيرًا. آمل أن يستطعن العودة هذا العام إلى (لبنان) لتمضية فترة الأعياد. (لاتي) سافرت إلى (أثيوبيا) لقضاء عطلتها ولم تعد قط. كنت أودها أن تفسر لي وأن تكلمني وأن تظهر الحدّ الأدنى من الاحترام والامتنان تجاهي، لكنني لست حاقدة عليها. كلّ واحد حرّ. (بابوش) الشابة تعمل جيدًا. عمرها عشرون عامًا، أي أنها بعمر ابنتي (رنى). أعاملها برقّة، أكلّمها، أحكي لها نهاري، حمّلت لها "سكايب" على حاسوبها كي تتمكن من التحدث إلى عائلتها. لكنها تحافظ على مسافة بيني وبينها، يبدو أنها لا تريد عاطفتي. لربما تحتاج إلى الوقت للتكيّف. أنا أيضاً احتجت إلى التكيّف عندما عشت في (كندا) بعيدًا عن عائلتي. ما فهمته بخبرتي في الحياة: إنها موظفتي بالطبع لكن إنسانيتها تقابل إنسانيتي، وهذا أمر مهم. (ندى) لن تأتي للطهو اليوم، لا بدّ أنها تركت لي طبقًا في البرّاد ليلة أمس. هي حتمًا عند (برنار) وتطهو له السمك باللوز. لدى التفكير، لم يُحدِث انفصالُنا أيَّ تغيير في حياته: لديه امرأة لإدارة منزله، وامرأة لطهو الطعام له، وامرأة جديدة يخرج معها، لكن يجب أن أكفّ عن التفكير في هذا الأمر، ما عادت مشكلتي. يجب أن أُعنى بقضية، أن أعطي حياتي معنى جديدًا كما يقول مدرّبي. سأتسجل في الدورة التمرينية التي تنظمها (كاريتاس) حول العنف الموجَّه ضد النساء. من الصعب جدًّا على المرأة أن تكون على سجيّتها بعيدًا عن القوالب المفروضة عليها. هذا أمر مشين. نعم، ستفيدني هذه الدورة التمرينية. علاوة على ذلك، هي تصادف يومَ تنظيف الزجاج بالنسبة إلى (بابوش). ستتمكن من العمل بكل هدوء من دون أن أطلب منها مساعدتي كل خمس دقائق. وقد أعيش لقاءات جديدة ستُبهج حياتي اليومية وتزيدني فرحًا وحرية. الحياة قد تفاجئنا أحيانًا.
الجزء الخامس
تأسيس الأسرة
كتابة
يارا نحلة
رسم
عمر خوري
عندما اتخذ مازن وفرح قرار تأسيسهما أسرة قبل نحو ثماني سنوات، كانا يدركان ما ينتظرهما من تحديات. كان التوفيق بين طموحاتهما المهنية ومتطلبات الأسرة يستدعي مهمة أخرى بالغة التعقيد: ابتكار معادلة صائبة لتوزيع الأدوار المنزلية بينهما. وما زاد الأمر صعوبة أن لا معادلات مرجعية للاقتباس عنها، فهذه مصدرها ممارسات الأهل والأجيال السابقة عادة، لكنها أضحت خارج السياق الاجتماعي لأيامنا، وخصوصًا مع تغير دور المرأة، أو بالأحرى تزايد مسؤولياتها. الأهم من ذلك، كانت أمامهما مهمة الحفاظ على مستوى معيشي يليق بإنجاب أطفال في بلدٍ لا يقدم أي ضمانات أو حماية اجتماعية لمواطنيه.
بعد سنوات على زواجهما أنجبا خلالها طفلين (ساري 7 سنوات، وسلمى سنة)، وجد مازن وفرح أنهما في مأزق: لقد تراكمت مسؤولياتهما، وتراجعت قدرتهما على تحملها والتصدي لها، ما ولّد لديهما شعورًا بالعجز وفقدان السيطرة على حياتهما أخذ ينعكس على علاقتهما، فقرّرا اللجوء إلى مرشدة نفسية لتساعدهما على الخروج من محنتهما.
وفي ما يلي أجزاء مما دار في جلسات أجراها الزوجان مع المرشدة النفسية على مدى سنوات ثلاث، وتوصَّلا خلالها إلى طريقة لتحييد صراعاتهما الناجمة عن الأعباء المنزلية، وذلك باستعانتهما بعاملة منزلية أجنبية، قبل أن تتدهور أوضاعهما الاقتصادية بفعل الأزمة الراهنة، فاضطرا إلى البحث عن حلولٍ ومعادلاتٍ بديلة.

الجلسة 1: (14/03/2017)
(...)
فرح: أعترف بأنني لم أعد قادرة على تحمّل هذا الكمّ من الضغوط. أشعر أحيانًا بأنني منهارة تمامًا. قال لي مازن منذ بضعة أيام: "ما بالكِ؟ لِمَ أنت مهسترة بهذا الشكل؟". حقيقةً، ضايقني هذا الوصف بشدة، فالكلمة التي استخدمها تحمل الكثير من المعاني السلبية والمهينة لي وللمرأة على وجه العموم. وكأنه ذنبي وذنب البيولوجيا الأنثوية أنني لم أعد قادرة على التقاط أنفاسي في هذا الماراتون اليومي.
لا متسع من الوقت في النهار لكي أنجز ما علي من واجبات. لست بأخطبوط، ولا أملك ثمانية أذرع للاعتناء بهم جميعًا: البيت، الطفلين، العمل، مازن نفسه، وبنفسي أيضًا... أمضي الليل في الرضاعة والاهتمام بالصغيرة، وفي الصباح، قبل الذهاب إلى العمل، أحاول بمستحضرات التجميل محو الهالات السود التي تؤطِّر عينيَّ الذابلتين، ولكن عبثًا. أفشل في إخفاء آثار التعب عن وجهي وعن قدراتي الذهنية المتدهورة. أصبحت عاجزة عن التركيز في عملي. وقد بدأ زملائي يتنبّهون إلى ذلك. سألَتْني مديرتي مؤخرًا: "لِمَ أنتِ على هذه الحال؟ أنا أعرفك جيدًا. أنت لست هكذا". هي لا تعرف أنني متعبة إلى هذا الحد.
وكيف لي أن أركّز في عملي وذهني مشغول بألف قصة وقصة؟ مثل: هل سلمى بخير في الحضانة أم لا تزال مستمرة في البكاء منذ أن أودعتها صباحًا؟ هل وصل ساري إلى المدرسة قبل أن يُقرع الجرس أم تأخّر كالعادة فنال نصيبه من توبيخ الناظرة؟ هل يستطيع مازن أن يُقِلَّه بعد الظهر أم سأضطر إلى مغادرة المكتب باكرًا؟ آآآه يجب عليّ أن أمر على السوبرماركت أيضًا لشراء بعض الحاجيات اللازمة للعزومة. أشعر بالاكتئاب كلما أخبرني مازن أنه دعا أحدهم للعشاء. أحب اجتماع العائلة والأصدقاء حول المائدة لكنني لا أحب تحضيرها لساعات، ثم الجلي والتنظيف بعد مغادرة الضيوف. كل ذلك وسلمى على يدي.
في وقت من الأوقات، كنت لا أستطيع أن أغيب عن ناظريها ولو للحظة واحدة، إذ تبدأ بالبكاء فورًا. لا يمكنني دخول المطبخ لتقطيع بصلة أحيانًا. الطبخة التي تتطلب مني ساعة لا تنتهي بأربع ساعات. أحيانًا لا أستطيع الخروج من المطبخ قبل الحادية عشرة مساء. لم أعد أرى والديّ. أشعر بالذنب، وكذلك بالغضب، لأنني لا أمضى وقتًا معهما. صرت أغضب لأتفه الأسباب ولا أتحمّل انتقادًا أو تعليقًا من أحد. حتى أنني أصرخ في وجه طفليَّ أحيانًا حين تكثر طلباتهما وأحسّ بأنني عاجزة تمامًا عن تلبية أي منها.
أقص لكِ هذا كله لأقول إنني لست مهسترة، كما قال مازن. لكن نمط حياتنا اليومية هو الهستيري.
المرشدة: هل فكرت يومًا بطريقة لتخفيف هذه الأعباء؟
فرح: هناك حلّ من اثنين: إما أن آتي بعاملة كي تساعدني في المنزل، وإما أن يترك أحدنا عمله ويمكث في البيت للاعتناء بالأطفال. والخيار الثاني غير وارد لكلينا. بالطبع لن أترك عملي كي أنظف البيت، خصوصًا أن وظيفتي جيدة من حيث الأجر وساعات العمل. لا، لن أتخلى عن عملي. بالطبع لا. وكذلك مازن.
المرشدة: قبل التفكير بترك الوظيفة، ألا يمكنكما التفكير بتخفيف ساعات العمل؟ أو البحث عن أعمال تستدعي منكما جهدًا ووقتًا أقلّ؟
مازن: درسنا هذا الخيار، وتبيّن أنه غير ممكن، فنحن في حاجة لمرتبي وظيفتين. لدينا التزامات كثيرة: أقساط مدرسة ساري، وهي مرتفعة جدًّا، قروض البيت وسيارتي وسيارة فرح، كما أننا نخطط لشراء بيتٍ في الجبل لتمضية العطل والويك أند خارج بيروت، وهناك رحلاتنا السياحية العائلية التي نرصد لها مبلغًا ليس بالقليل. لقد اعتدنا السفر مرتين في السنة، والعام الماضي اضطررنا إلى إلغاء سفرة عيد الميلاد بسبب الضغوط المادية التي واجهتنا.
المرشدة: ما رأي فرح؟
فرح: نعم، لا يمكننا التخفيف من مصاريفنا. كل ما ننفقه نعتبره من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها... باستثناء الرحلات السياحية ربما. بالطبع لن نوفّر في أقساط المدرسة ونرسل ابننا إلى مدرسة أقلّ شأنًا، ويستحيل أن نتخلّى عن التأمين الصحي أو تكاليف السيارة مثلًا. تعلمين أن لا مواصلات عامة في لبنان، وكل منا مضطر إلى اقتناء سيارة.
المرشدة: ولماذا لا تأتيان بعاملة منزلية؟
فرح: مازن يرفض. وأنا أيضًا في البداية. لكن الموضوع بات متعلقًا بصحتي الجسدية والنفسية. أنا لا أحبذ فكرة أن يسكن معنا شخص غريب، وينام في منزلنا. لكنني صرت مستعدة للتنازل عن شيء من خصوصيتي لقاء بعض الراحة.
مازن: المسألة ليست متعلقة بنومها في منزلنا فحسب. أنا لا أستطيع أن أتقبل أن يعمل إنسان أكثر من ثماني ساعات في اليوم. والعاملة المنزلية تظل تعمل ما دامت صاحية، ويمكن رب العمل أن يطلب منها أي شيء، وفي أي وقت من النهار. الأمر أشبه بالعبودية. إن عقد العمل الذي يبرم مع العاملات المنزليات مجحف جدًّا في حقهن. كم سأكون منافقًا لو أتيت بعاملة منزلية إلى بيتي، بعدما تظاهرْتُ مراتٍ مطالبًا بحقوق هؤلاء العاملات.
والأمر بعيد عن ثقافتي. نسميها عاملة للتملص من تهمة العنصرية والطبقية. اسمها الحقيقي الدارج هو خادمة! ولطالما سخرت من أسلوب الحياة البرجوازي الذي يستدعي حاشية حول الشخص لخدمته. لست ضد العمل المنزلي بالمطلق، فهو عمل منتج كغيره من المهن، لكن بهذه الصيغة؟ لا! لا يمكنني تقبله. سمّيه عنادًا إن شئتِ، ولن أتنازل عن عنادي هذا.

الجلسة 2: (10/7/2018)
المرشدة: كيف مر الشهر الأول بوجود العاملة المنزلية في بيتكم؟
فرح: كان الأمر غريبًا بعض الشيء في البداية. لكننا بدأنا نتأقلم. مازن لا يتعامل معها كثيرًا. وهي لا تزال غير قادرة على التواصل باللغة العربية، وعلاقتها تكاد تنحصر بي. وقد أزالت حملًا كبيرًا عني. هي تعتني بالبيت، فيتاح لي الاعتناء بطفليّ حين أعود من العمل. وشخصيتها ساعدتنا على تقبُّلها في منزلنا. زويا شخص يلزم حدوده، وليست "جِلقة" كما يقول مازن . عارض الفكرة بشدة، لكني كنت بلغت مرحلة متقدمة من الشدة النفسية، فقررت الإتيان بمن يساعدني مهما كان موقف مازن. ولا أظن أنه كان قرارًا خاطئًا. لقد أنقذَتْنا.
المرشدة: ما شعوركَ، ومارأيك يا مازن؟ هل تعيش صراعًا داخليًّا؟
مازن: نعم.. أشعر بنوع من الصراع. يمكنك القول صراع بين المبدأ والحاجة. كنت أرى أن الأمور تتجه نحو الأسوأ وسوف يضطر أحدنا إلى ترك عمله. وجدنا أننا أمام حائط مسدود.. لا حلول. في الحقيقة، لا أعرف إن كان لا يوجد أي حل آخر فعلًا، لكن هذا الحل هو الأسهل والأكثر عملية. وبما أن فرح هي المسؤولة المباشرة عن البيت، فمن المنطقي أن تقرر كيف تديره. هذه الأمور خارج صلاحيتي نوعًا ما. فليكن إذًا! لكنني في حياتي اليومية البيتية أحاول ألا أكون معتمدًا عليها. أذكّر نفسي أننا أتينا بها للاعتناء بحاجات المنزل، فلا أطلب منها أن تقوم بأي شيء يخصني شخصيًّا. لا أطلب منها شيئًا على الإطلاق. وأحيانًا إن كان لا بد من الاستعانة بها في أمر ما، أطلب من فرح أن تقول لها.
المرشدة: هل يخفف ذلك من شعورك بالذنب والمسؤولية؟

مازن: كل ما في الأمر أنني لا أريد الشعور بأن هذا الشخص موجود هنا لتلبية حاجاتي الخاصة.
المرشدة: طبعًا، لأن مسؤوليات المنزل وأعماله واجب النساء، وهذا يمكِّنك من تجاهل وجود العاملة المنزلية نفسها، فلا تشعر بحضورها وما يترتّب عليه من مشاعر مرتبطة بالعبودية والاستغلال.
مازن: حسنًا، أفهم ما تعنينه. قد يكون هناك شيء من هذا.. أي "ترييح الضمير".. لن أكذب.
المرشدة: ماذا عنكِ فرح؟ هل تشاطرينه إحساسه بالذنب؟
فرح: آه الذنب، بالطبع! لا يتعلق الأمر بنظام الكفالة فحسب. فلأخبرْكِ شيئًا: أنا أشعر بالذنب تجاه كل من يقع العمل المنزلي على عاتقه، العاملة المنزلية أو مازن أو أنا أو أيٍّ كان.
قبل أن يأتي والديّ بعاملة منزلية، كنت أرى أمي تقضي معظم وقتها بعد ساعات العمل في المطبخ. ولّد ذلك عداوةً بيني وبين المطبخ والعمل المنزلي. شعرت أنه يسرق من حياة المرأة ومن راحتها أكثر مما ينبغي. أمي كانت تفعل ذلك بدافع الحب، لي ولأخي. لكنني لم أجد يومًا مبررًا للأمر. أعني أن تمنح كل ذلك الوقت والجهد لشيء سريع الزوال، كنظافة البيت أو الطعام الذي سنتناوله على عجل من دون مقابلتها بكلمة شكر أو ثناء. في النهاية، اضطرَّتْ إلى توظيف عاملة منزلية لأنها لم تعد قادرة على الحركة بسبب "الديسك". منذ ذلك الحين، قرّرْتُ ألّا أفني نصف حياتي في المطبخ. هذا لا يعني أنني لا أشعر بالذنب تجاه زويا. لكن الفرق بيني وبينك يا مازن أنني لا أملك رفاهية التهرب من المسؤولية في هذا الخصوص. يمكنك القول ببساطة إنها "موجودة من أجل البيت والأطفال وليس من أجلي"، لكن هل أنت معفيّ من مسؤولية البيت؟ هل هو مسؤوليتي وحدي؟
مازن: ليس هذا ما قصدته. أنت تعلمين أنني أساعد كثيرًا في البيت.
فرح: هذا صحيح. قبل مجيء زويا كنت تقوم بمعظم مهام الكيّ مثلًا، لكنك قلتها بنفسك. أنت "تساعد" فقط. بالنسبة إليك هي مساعَدة، أما بالنسبة إلي فهو واجب لا يمكن التخلّف عنه ولو للحظة.
مازن: نقول إن علاقة الأطفال بالأم والأب يجب أن تكون في المستوى ذاته، لكنني أظن أن هذا الأمر غير واقعي. فالقدرة على تحمّل الطفل هي أعلى بكثير عند الأم. ربما لأننا تربينا هكذا، لا أدري. لكنني أشعر فعلًا بأن فرح قادرة على تحمل الأولاد والتعامل معهم أفضل مني.
فرح: هذا لأنني مضطرة لفعل ذلك. إنه دوري. وأكرر ما أقوله لك دومًا: أنا لم أنجب 20 طفلًا. إنها تجربتي الأولى، وما زلت أحاول أن أفهم كيف أتصرف بشأنها.
مازن: لكن مهلًا فرح، رغبتك بأن تنجبي طفلًا كانت تفوق رغبتي بكثير. وهنا المفارقة. في الحقيقة، لم أُرِدْ أطفالًا على الإطلاق. حين أخبرْتِني عن رغبتكِ بإنجاب الأطفال دخلتُ في حلقة من الاكتئاب والقلق. يا لها من مسؤولية! وقد قبلت بهذه المسؤولية في النهاية. لكن ما أحاول قوله هو أن للرغبة مفعولها أيضًا. أعني أن قدرتك على تحمّل الأطفال تفوق قدرتي. مع أنني أحب أن أمضي الوقت معهم، وأستمتع بهذا فعلًا، لكنني لست قادرًا على الاعتناء بهم لساعات كما تفعلين.
المرشدة: هل هذه أيضًا طريقة للتهرب من المسؤولية؟
(...)

الجلسة 3: (23/11/2019)
(...)
فرح: هل أشعر بالغيرة؟ أحاول ألا أفكر في الموضوع كثيرًا.. حين تراودني أفكار من هذا النوع أسارع إلى نزعها من رأسي. أمس مثلًا، تأخرْتُ في العودة من العمل وأردت قضاء القليل من الوقت مع سلمى قبل أن تنام، لكن حين وصلت وجدتها برفقة زويا. كانتا تجلسان وسط الألعاب والأقلام والألوان، ترسمان وتقهقهان. كانت البهجة واضحة على وجهيهما. وكان ثمة شيء آخر غير البهجة.. كيف أصفه؟ الإلفة ربما. نعم كان هناك شعور عميق بالإلفة. بغضّ النظر عن مقدار الحب الذي تُكِنُّه لي، أحسست بأن سلمى تألفها أكثر مما تألفني، وأن الانسجام بينهما أكثر عضوية من العلاقة التي تربطني بها، هي التي جاءت من رحمي. كم كان مظهرهما معًا مفعمًا بالدفء! كدت أموت من الغيظ. فكرت: يا الله.. لقد قضت معها النهار بأكمله.. ألم يحن دوري؟ كل ما أريده هو ساعتان مع ابنتي.. نحن الاثنتان فقط ولا أحد آخر. أحيانًا .. سأكون صادقة.. أحيانًا أخاف أن يأخذ الأطفال صفها أو صف أي أحد آخر. أنا أمهم، وولاؤهم يجب أن يكون لي دائمًا. لكن لا.. كما قلت لك، لن أستسلم لهذه الأفكار طويلًا. أعلم أنني إن أطلقت العنان لهواجسي فسوف ينتهي بي الأمر بتدمير علاقتي بها وعلاقتها بالأطفال. هي تحبهم كثيرًا. مثل أطفالها.. حقًّا! إنها تغمرهم بعاطفتها الأمومية.
أرعبني الأمر في البداية، فحاولت أن أبعدها عن أطفالي، أبعدها بالمعنى العاطفي. أن أعاملها كموظفة. مهامها واضحة، حدودها مرسومة وحقوقها محفوظة. حاولت أن أحدد لها دورها بدقة كي لا تعتدي على دوري، لكن بعد مدة، تنبهْتُ إلى أن الأمر ليس إنسانيًّا، بحقها وبحق الأطفال أيضًا. هي ليست روبوت مجرد من العاطفة، وهم كذلك، ومهما حاولت أن أنظر إليها وأتعامل معها كموظفة، فذلك لن ينفيَ حقيقة أن منزلنا هو عالمها في الوقت الحالي. إنه عملها ومكان إقامتها والمكان الذي تخلد فيه إلى الفراش بكل ما يعتريها من صراعاتٍ وآمالٍ وأحلامٍ ورغبات. لا يمكن أن يكون الأمر مجرد وظيفة بالنسبة إليها، وإلا فان حياتها كلها ليست سوى وظيفة. وهذا أمر لا أستطع أن أقبله. لذا سمحت لها بالتقرب من الأطفال. لا طائل من مقاومة هذا الأمر. أصلًا حدث الأمر بطريقة تلقائية وأَحَبّها الأطفال بسرعة. خصوصًا سلمى. يقلقني ما سيحل بسلمى حين تغادر زويا، أخاف أن تصاب باضطراب نفسي. إنها متعلقة بها للغاية.
لكن حين أشاهدها مع أطفالي أشفق على أطفالها. منذ أسبوعين كنا نودع ساري في المطار وكانت زويا برفقتنا. لم أستطع أن أحبس دموعي صراحةً، مع أنه سيغيب لشهر فقط. شعرت بالتفاهة حينها، فإلى جانبي تقف امرأة لم تر أولادها منذ سنة ونصف تقريبًا. ولا أراها تبكي. كيف لا أراها مكتئبة طوال الوقت؟ ثمة شيء لا أفهمه. إنه أمر مرتبط بثقافتهم ربما.. بنظام حياتهم.
مازن: وبظروفهم الاقتصادية أيضًا.
فرح: أجل أعلم. لكن الأمر يظل غير مفهوم بالنسبة اليّ. أتحدث كأم الآن. الأمومة هي نفسها في كل مكان، بغضّ النظر عن الثقافة والحالة الاجتماعية. ألا تعتقدين؟

المرشدة: وماذا تعني الأمومة بالنسبة إليك؟
فرح: إنه سؤال صعب. لقد فكرت بالأمر مطولًا، تحديدًا بعدما دخلت زويا منزلنا، وتغير دوري بشكل او بآخر، فصرت أتساءل: ما هو دوري بالضبط؟ هل تقاس الأمومة بالوقت الذي أقضيه مع أطفالي؟ هل الأم هي الوجه الأكثر تكرارًا بالنسبة إلى الطفل؟ خصوصًا الرضيع الذي لم يفهم بعد مواقع الجميع في الأسرة. أتساءل أحيانًا كيف تتلقف سلمى رائحة كل منا. هل تربط رائحتها أم رائحتي بالأمومة؟ إنه سؤال يشغلني. لكن لأُجِبْكِ عن سؤالك أولًا ما هي الأمومة. أظنها أشياء كثيرة، واحد منها أن تشاهدي أطفالك يكبرون أمامك. لا شيء يضاهي بالنسبة إلي ذلك الوقت القيم الذي أقضيه مع ساري وسلمى.
المرشدة: تقصدين كجلسة الرسم التي أشرت اليها سابقًا؟
فرح: تمامًا! إنها تحيى أمومتها مع أطفالي فيما يكبر أطفالها بعيدًا عن أمهم. هذا ليس عادلًا بحق أطفالها. بعد أن ودعنا ساري قلت لها: "الأفضل أن تنهي عقدك معنا وتعودي إلى أطفالك. مكانك معهم". أنا لو كنت مكانها...
المرشدة: لست مكانها…

الجلسة 4: (16/02/2021)
فرح: سوف تغادر زويا بعد شهر. لم يعد بمقدورنا تحمل كلفة توظيفها بالدولار. لكنني مكتئبة منذ الآن. بدأت أبحث عن عاملات بدوام جزئي، رغم أن تدبير أمور البيت سيبقى مرهقاً. سوف أضطر إلى العودة من العمل كي أجد مزيداً من العمل ينتظرني في البيت. والاطفال وتدريسهم والاهتمام بنشاطاتهم.
مازن: أنا أرى مثلاً أن هناك مبالغة في موضوع النشاطات. لقد لاحظت المشكلة نفسها لدى عدد من أصدقائنا. النساء يردن ملئ وقت الأطفال بالنشاطات. أسلوب الحياة هذا صار أشبه بصيحة أو موضة اجتماعية. يجب أن يتعلم الطفل البيانو والتكواندو والسكواش والسكوبا دايفينغ. ويجب أن تقلّه أمه إلى هذا النشاط أو ذاك. وهذا كله بلا استشارة الولد والتحقق من رغبته. ثمة شيء غير عقلاني لدى المرأة، الأم تحديداً، أي رغبتها في أن يكون ابنها مميزاً، "سوبرمان". كما أنه يمسي نوعاً من الهوس والمنافسة بين الأمهات. شكل من أشكال تحقيق رغباتهن الخاصة.
فرح: لا.. الأمر ليس كذلك يا مازن. أنا أعتبر أنني، ما دمت قد أتيت بهذا الطفل الى هذا العالم، فعليّ أن أقدم له أفضل ما يكون. أنا لا أجبر ساري على الذهاب الى صف الموسيقى ما لم يرغب. لكنني بالطبع أحثه على ذلك. لن أنكر أنني أتمنى أن يتقن ابني فناً أو رياضةً ما، ألا تتمنى ذلك؟
مازن: بلى.. أتمنى ذلك، لكن ليس على حساب صحتي وصحتك. أعاني من ألم في الظهر وانت نفسك تعانين من ألم في المفاصل، ولكي نظل قادرين على إعالة أطفالنا، علينا بقليلٍ من الراحة. أترجاها أحياناً لكي تترك عمل البيت وتستلقي على الأريكة كما أفعل في المساء. لكنها تصر على مسح البيت أو إزالة الغبار. أقول لها ليس هناك داعي للمسح كل يوم. لك الحق أن ترتاحي. تأقلمي قليلاً مع الفوضى.
فرح: أنا لا أعطي نفسي حق الراحة. لكنك من النوع الذي إن أرى شيئاً في غير مكانه ينزعج فوراً ويطالب باعادته الى حيث كان.
مازن: هذا كي لا نمضي وقتاً أطول في التنظيف والترتيب.
فرح: لكن هناك الأولاد...
مازن: الأولاد، بالأخص، يجب أن يتعلموا كيف يعتنون بأنفسهم وبالأشياء من حولهم. أن يكونوا واعين لحركتهم في البيت. إن أردت أن تأكل، فعليك أن تغسل الأواني. إن أرقت بعضاً من الحساء على السجادة، فعليك أن تنظفها بنفسك. ان احتجت إلى كوب ماء، فاتجّه إلى المطبخ. إنه نوع من تحمل المسؤولية. لا أريد لأطفالي أن يتربوا وهم يظنون أن العالم يسير هكذا. أي أنهم لو احتاجوا كوب ماء فهناك من سيجلبه لهم، وأن بامكانهم ان يخلّفوا الفوضى وراءهم لأن هناك من سيعيد الأمور الى نصابها. هذه العقلية تنسحب على كل شيء في النهاية. أريدهم أن يعلموا منذ الآن أن عليهم أن يعتنوا بأنفسهم. هم مسؤولون عن وجودهم وعن نظافتهم الخاصة ونظافة المحيط الذي يعيشون فيه. وجود زويا خلق نوع من الاتكالية في العائلة. أتحدث عن سلوكياتنا جميعاً. كنا نوضب ثيابنا المتسخة عند الاستحمام، صرنا نتركهم على أرضية الحمام. كنت أكره هذا النوع من السلوكيات، وبتّ أمارسها دون وعي.. أو بقليلٍ من الوعي وكثير من التناسي. حتى الأطفال، يتركون أغراضهم على الأرض. يفردون الألعاب في كل مكان، وينتظرون من يوضبها.
فرح: لكن الأولاد لم يوضبوا ألعابهم يوماً. حتى قبل مجيء زويا. كنت أنا من يوضب حاجياتهم. ببساطة، الصراع انتقل مني اليها. وبعد مغادرتها، عدنا لمواجهة هذا الصراع من جديد.
مازن: صدقيني، أعلم ما ينتظرنا. أعرف أن الأمر لن يكون سهلاً بعد أن اعتدنا على وجودها. لكن يجب أن تتغير بعض الأمور. أسلوب الحياة الذي عهدناه لم يعد ممكناً. الأمر مضحك بعض الشيء، إذ علينا أن نخفف من حجم الاستهلاك من حجم انتاجنا للأوساخ. أفكر أحياناً أن هذه الأزمة الاقتصادية، بالرغم من كارثيتها وانعكاساتها السلبية علينا، لكنها قد تكون فرصة لأطفالنا كي يتعلموا تحمل المسؤولية وقضاء حاجاتهم بأنفسهم، وكي يعرفوا أن ليس بامكانهم دائماً الحصول على ما يرغبون به.
وهي فرصة لنا كي نعيش أسلوب حياة أكثر بساطة. لطالما شعرت أننا نورط أنفسنا بمسؤوليات وجهد إضافي لا ضرورة له. لقد فرض علينا النظام الاقتصادي نهج حياةٍ عام أصبح من الصعب الخروج عنه. سأعطيك مثلاً عن نهج حياة مختلف. جاري في الجبل يشغّل عاملاً سورياً للاعتناء بالمنزل والحديقة في غيابه. جاء هذا العامل بأسرته من سوريا، زوجته وأطفاله الستة، وهم يعيشون في بيت مكون من غرفتين. يأكلون البيض والزيتون كل يوم ربما، والأخت الكبرى تربي الطفلة الرضيعة. وبالرغم من أن عمله في الحديقة مضني جسدياً لكنني أحسه اكثر استرخاءً مني، فمتطلبات عيشه أقل بكثير من متطلبات عيشي. أشعر أننا قد أقحمنا أنفسنا في نفق من المتطلبات والمسؤوليات التي ستظل تتفاقم كلما كبر الأولاد. أتساءل أحياناً، ماذا فعلنا بأنفسنا؟
فرح: أتمنى أن أراك تحيا يوميات هذا العامل السوري الذي تتحدث عنه. لا أظنّ أنك سوف تصمد لأسبوعٍ واحد من دون كل وسائل الراحة والرفاهية التي اعتدت عليها، من المنزل والسيارة المكيفة، والعشيات والسهرات وخدمات التوصيل، و"فرشة الفوم"، و الـ "fancy ساوند سيستم" الذي قمت بإعداده في البيت، والغسالة الأوتوماتيكية. هل أنت مستعدّ لغسل الملابس "على إيدك" في حال عدم توفر التيار الكهربائي؟ أم من المفترض أن أقوم وحدي بهذا العمل؟ الحجرة التي يسكنها ذاك العامل مع أطفاله الستة، كلفتها أقل من تكلفة الاضاءة في منزلنا، تلك التي أوصيت عليها من الخارج. تقول أن الضوء الأبيض الرخيص يصيبك بالكآبة. ما بالك بالامتيازات الأخرى التي لا تقيم لها اعتباراً لأنك تحسبها من المسلمات. لكن هذه المسلمات تتطلب مني، ومن زويا، جهداً كبيراً. أظنّ أنك سوف تفتقد حضورها بشدة. سوف تفتقد الرفاهية التي كانت تؤمنها لك من دون أن تلحظ، وإن كابرت على ذلك.
