الفصل الثاني

الغرفة

لطالما كانت الهندسة المعمارية واحدة من وسائل التعبير عن القوة السياسية وممارستها، وينطبق ذلك على مساحاتنا الحضرية بما فيها المساحات المنزلية. تملي مخططات العمارات التي نسكنها ما هو العام والخاص، محددة في ذلك "أماكن الخدمة" و"أماكن الترفيه" منظمّة بذلك حياتنا الداخلية بطرق خفية لكنها فعّالة. في لبنان مثلاً، أصبح وجود عاملات المنازل في منازل الطبقة المتوسطة والعليا منتشراً ومؤسسياً جداً بحيث لا يتم تضمين "غرف الخادمات" كجزء من مخططات الطوابق فحسب، بل أيضاً يتم تضمين مواصفاتها في قوانين الدولة الناظمة للبناء.

هنا أيضاً يكمن تاريخٌ تطور على مدار القرن الماضي. نظراً لأن عاصمة لبنان شهدت طفرات في البناء واحدة تلو الأخرى، رافقت تحولات الطموحات الطبقية ونموها، حيث تحولت القوى العاملة المحلية من أشخاص "مثلنا" إلى "أجانب" من ثقافة أخرى. في حين أصبحت غرفة الخادمة بشكل متزايد مساحة مصممة لمأسسة نزع الصفة الإنسانية عن العاملات المنزليات. وبدافع شخصي عميق ، أطلقت المهندسة المعمارية عبير سقسوق تحقيقاً في تاريخ غرفة الخادمة وكيف أصبحت المكان الخفي الخانق الذي تمثله اليوم.

الجزء الأول

الغرفة التي خنقتني

بحث
عبير سقسوق
ماهر أبي سمرا

كتابة
عبير سقسوق
سحر مندور

ماذا يحدث حين تصبح العاملة المنزليّة ﻓﻲ منزل ربّ عملها؟ كيف تتحرّك؟ أين ﺗﻨﺎم؟ ما هي النواحي المخصّصة لها ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺰل؟ وما هي مساحتها؟

في ظل الحجْر على العاملات المنزليات داخل أمكنة عملهن، وعدم قدرتهن ربما على استخلاص أجورهنّ وتأمين العودة الآمنة إلى بلادهنّ، باتت هذه الأسئلة محورية لأرباب بيوت يوجدن فيها ويسعون بالسبل كافة إلى إخفاء وجودهنّ وإلغاء حضورهنّ، ما قد يدفع ببعضهنّ إحيانًا إلى الانتحار، وقد ظهر هذا على نحو متزايد خلال الأشهر القليلة الماضية.

وفي مقاربة تاريخية لتطوّر العمارة وتنظيمها وتوزيع المساحات داخل الشقق في بلادنا، بدا واضحًا في قوانين البناء الأكثر حداثة، تصنيف العاملة المنزلية وغرفة عيشها داخل منزل مخدوميها ضمن فئة الخدمات لا السكّان، ما يعني إخفاءهنّ وضمان عدم ظهورهنّ في حياة الأسرة قدر الإمكان.

يتتبع التحقيق التالي التطوّر التاريخيّ لهذه الغرفة، ويُظهر تطوّر الاعتداء المؤسَّس والبنيوي على العاملات المنزليّات، وهو تطوّرٌ وقع في صلب البنية الاجتماعية والاقتصادية والمكانية التي هندست حياة العاملة في المنزل وحياتنا معًا، ويدعونا اليوم إلى إعادة النظر به بوصفه انتهاكًا بنيويًّا لا يمكن اختزاله بالعنصرية، ويتخطى أيضًا نظام الكفالة.

عبير:
ماما خبريني بالضبط شو صار مع عايشة.

ماما (تصمت قليلاً):
شو فيّقك عليها؟

ع: تذكرتها من يومين. ليه كان عندكم عاملة أفريقية؟
م: كان فيه قبل عايشة واحدة من نيجيريا بعتلنا ياها خيّك . هيديك كانت الأولى، بعدين تركت. كان بدها ترجع ع بلدها.

ع: أيّ سنة هالحكي؟
م: بتصوّر بالثمانينات.

ع: ليه ما جبتوا حدا من هون؟
م: ما توفّقنا. سنة ١٩٧٧ لمّا رجعنا على طول ع لبنان، جبت تنتين مصاروة (من مصر). كان فيه مكاتب، وكانوا المصاروة كتير يجو يشتغلو هون. خلّصوا البنتين المصاروة مدتهن عنا وراحو. ما كنا نلاقي لبنانيات، وبوقتها ما كانوا في سيريلانكيات بعد، فجبنا النيجيرية. من بعدها بيّك الله يرحمو قال لقرابتنا يبعتلنا واحدة من سييراليون. قام بسلامتو بعت واحدة بالكاد عمرها ١٢-١٣ سنة.. أقل كمان.

ع: أيّ سنة؟
م: كمان بالتمانينات. عمتك ماتت سنة ١٩٨٨، كانت عايشة بعدها موجودة. بتصور إجت سنة ١٩٨٧. كل ما اتذكرها لهالمخلوقة ببكي عشانها بكي الدنيا. بكيت عشان عايشة كتير.

ع: قديه وقت بقيت عنا قبل ما تموت؟
م: شي سنتين.

ع: وليه كان عنا خيّي بالبيت ليلة إللي ماتت؟ لأنو أنا بتذكر فقت من النوم وشفتو حاملها لينزّلها ع المستشفى.

م: خيّك كان جايي مشوار من نيجيريا. ونهارها كان واصل ابن أختي حسن من أبيدجان (ساحل العاج)، والطيارة كانت توصل الصبح بكير، شي ٥ أو ٦ الصبح. قلت له: «بتروح معي على المطار بكرا نجيب حسن؟». قلي: «إيه». قبلها بيوم، كانت أم سليم عنا وكنا شاويين لحمة، العصريات بهالوقت هيكي. أم سليم قاعدة على الكنباية يلي بوجّ المطبخ وأنا قاعدة حدّها، شفت عايشة حاملة كانون الفحم والكانون بعده مهبرج نار. قلت لها: «لوين ماخدتيه هيدا؟»، قالت: «بدي فوت دفّي الأوضة». قلت لها: «طلعيه لبرا أوام! ناوية تفحمي وتموتي؟!». كان بعده فحم وكاز. طلّعتو لبرا. تاني يوم، الساعة ٤ أو ٥ المسا،رحنا نطل على عمتك لأنها مريضة. قمت لبست وأخدناكي معانا. قلت لعايشة: مشّي معنا. راحت معنا عند عمتك. رجعنا صوب الساعة ستة. عملِت النار وشوينا لحمة وتعشينا وخلصنا. وقعدنا هيك الدنيا شتوية. بيّك فات نام، وخيك قال: «أنا فايت نام». بقيت أنا وياها قاعدين، وكانت مقطوعة الكهربا، وما كان وقتها فيه موتيرات واشتراكات. صوب الساعة ١٠، أنا كمان فتت نمت، وهي ع أساس نامت.

يبدو كانت مرجّعة الكانون لأوضتها. وكاين شباك الأوضة يلي بيفتح على برندة المطبخ مكسور شوي، فكانت مسكّرته بشقفة حتى ما يفوت منه هوا لعندها. والباب هيدا باب المطبخ، فيه كوتشوك مثل باب السيارة. لما تطبقيه، بيكتم منيح يعني.

فاتت هي على تختها، بس يبدو كان الأوكسيجين مقطوع من الأوضة. وهي الأوضة صغيرة.

الصبح، فقنا وحملنا حالنا ورحنا ع المطار نجيب حسن. كانت الساعة حوالى ستة ونص الصبح يمكن. بالمطار قالوا الطيّارة مأخّرة للساعة ٨، قلنا: «خلينا نرجع ع البيت عشان ما نضلنا ناطرين بهالبرد . رجعنا، وعملت فنجان قهوة. كانت صارت شي الساعة ٧. قلت أنا خلّيني فيّقها قبل ما نرجع نروح على المطار. دقّيت عليها ما ردت. دقّيت دقّيت.. وفتحت باب الأوضة. هزّيتها لقيتها متل الخشبة. ركضت وفيّقت بيّك. حملها خيّك ونزّلناها على الطوارئ. قلّنا الحكيم إنها ميتة من عشر ساعات، يعني من أول ما حطّت راسها ونامت.

ع: كيف خبّرتوا أهلها؟
م: فيه واحدة إسمها أمينة هيي يلي بتعرف عيلتها لعايشة ودلتنا عليها. يخفي خلقتها أمينة. بنت بهالعمر.. نحنا تفاجأنا لما جابوها لعايشة هلقد صغيرة. أمينة بلّغت أهلها إنها ماتت. هون، نحنا خبّرنا المخفر وإجو الدرك وشافو الأوضة. مسؤولية، بنت تحت السن.. وبوقتها، عن طريق صديقتنا أم علي، دفعنا مبلغ لأهلها، وللبوليس شرحنا شو صار، شرحنا إنو ما قصدنا نئذيها.

ع: وين دفنتوها؟
م: بمقبرة الضيعة. مطرح ما دفنّا بيّك بعدها بسنة أو سنتين.

من قريتنا في جنوب لبنان إلى كينيما، القرية السيراليونية النائية التي تبعد 10 ساعات عن العاصمة فريتاون، انتقل جدّي مهاجرًا في مستهل القرن العشرين. كان فلاحًا، ولحق بآلاف الفلاحين والعمّال اللبنانيّين الذين باشروا الهجرة إلى أفريقيا خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر.

قصد اللبنانيون المستعمرات الفرنسيّة والبريطانيّة في القارة الأفريقيّة. تمركزوا بشكلٍ خاص في «المقاطعات الأربع» التي خضعت للفرنسيين وتتشكّل منها اليوم السنغال الحديثة. أما جدّي فلحق باللبنانيين الذين قصدوا مناطق الاستعمار البريطانيّ وتمركزوا بشكلٍ خاص في سييراليون غرب أفريقيا، حيث كانت ترسو السفن المتجهة نحو المستعمرات الإنكليزية. هناك وُلد أبي، وهناك نشأ من دون أن يدخل المدرسة، وبقي أميًّا. في العاشرة من عمره، دخل أبي سوق العمل راعيًا للبقر، ثم صار ينقل البقر من غينيا ويبيعها في سييراليون. مع الزمن وقصصه الكثيرة والغريبة، تحوّل والدي من راعٍ للبقر إلى عاملٍ في محل سمانة فتاجرٍ محليّ، قبل أن يمتلك ويفتتح أول دار سينما في سييراليون، لينتهي أخيرًا تاجرَ ألماس.

الدور شبه-الكولونياليّ الذي أدّاه والدي في سييراليون استمر بعد عودته إلى لبنان في العام ١٩٧٤. عاد بسبب المرض، لكنّ شبكاته ومعارفه بقيت على علاقتها به، ومنها مَن بدأ يرسل إلى العائلة في لبنان عاملاتٍ منزليّاتٍ صغيرات السن، من دون ترتيباتٍ رسمية أو عقود عمل.

أمي لم تختر الهجرة إلى أفريقيا، وإنما وجدت نفسها هناك عند زواجها من أبي. أبي هو الرجل الثري الذي اختار «أجمل بنت في القرية»، تزوّجها وأخذها معه إلى سييراليون.

لم تفارق ذهني يومًا لحظةُ استيقاظي وأنا في السابعة من عمري على صورة أخي حاملًا عايشة وهي جثةٌ جامدة. كانت صديقتي في المنزل، استمتع باللعب معها وأنبهر بحكاياتها، لا سيّما تلك المتعلقة بإعجابها الشديد بابن عمّتي، لكني منذ السابعة وحتى الأمس القريب، لم أسأل أحدًا يومًا عن تفاصيل موتها.

بعد مرور حوالى ١٠ سنوات على وفاتها دخلتُ الجامعة ودرستُ الهندسة المعمارية. في سنتي الدراسية الثانية ربما، أخذَنا أحد الأساتذة في حصّةٍ ميدانيّة لزيارة مبنى مهجور في منطقة المنارة - عين المريسة، على اعتبار أنه جوهرة معمارية باقية من مرحلة الحداثة في خمسينيّات القرن الماضي. اسمه «مبنى دورافور»، على إسم السيدة غالينا دورافور التي امتلكته.

أثناء تجوّلي عبر شقق المبنى، وجدت درجًا صغيرًا مجاورًا للمطبخ. صعدت درجاته لأتفاجأ بطابقٍ أعلى أصغر حجمًا. كان عبارة عن عليّة (ميزانين mezanine) معتمة لا يدخلها الضوء، سقفها منخفضٌ لا يتخطى ارتفاعه المترين. كانت تحضر في الطابق غرفٌ صغيرة بممرٍّ طويل بينها وتطلّ جميعًا على المنور. سألتُ ففهمتُ أنه الطابق المخصّص للخدم، يضمّ غرف النوم وغرف الغسيل.

«مبنى دورافور» هو واحد من مبنيين اثنين سكنيّين تم تشييدهما في أوائل الخمسينيات. كانا الأولين من نوعهما في الحي لجهة الفخامة والعلو. في المساحة العقارية التي أقيما عليها كان يستقر قبلهما بيتان قديمان صغيران فوق قطعتي أرض يتشارك ملكيتهما حوالى ٦٠ شخصًا. في العام ١٩٤٨ اشترت مدام دورافور الأرض من السيد كمال روضة، الذي أدار بنفسه عملية شراء الأرض من مالكيها الستين (انظر: جورج عربيد).

مبنيا "عين المريسة" كانا من أوائل مشاريع دورافور، السيدة التي كلّفت مهندسين فصمموا ونفّذوا لها شققًا كبيرة ومريحة، بصالونات وشرفات واسعة مطلة على البحر، حتى سلالم المبنيَين كانت واسعة وتجعل صعود الدرج ونزوله متعةً بحدّ ذاتها. أتذكر جيدًا انبهاري بميزة المساحات الشاسعة فيهما، وكيف تبدّل شعوري ذاك وحلّ مكانه ضِيقٌ وعدم ارتياح حين عاينتُ الدرجَ الضيق ناحية المطبخ، وغرفَ «الخدم» ذات السقف المنخفض المجاورة لمنور القمامة، وعتمةَ المكان… بقيَت المشاهدُ تزعجني كلما تذكّرتُها، على رغم اعتيادي رؤية غرف العاملات المنزليات في بيوتنا المعاصرة.

ربما كان مبعث انزعاجي أنني عاينتُ المبنى فارغًا فظهر لي كلُّ شيءٍ بشكله الفظ فجأة.. أو ربما لأنني استُفزِزْتُ بتمجيد أستاذنا المبنى معماريًّا في زيارةٍ بحثيةٍ ودراسية، من دون أدنى قدرٍ من النقد.

فتحَتْ لي هذه الزيارةُ بابَ الأسئلة البحثية والتساؤلات الذاتية التي تحثّ على إعادة التفكير في ما نعرّفه اليوم بـ«غرفة الخادمة»، وبمكانتها وتداعياتها.

رسم لطابق قياسي في مبنى دورافور (عين المريسة - ١٩٤٨) يظهر طابق علوي مخصص للخدمات
( من المركز العربي للعمارة )

أيُّ مشروعٍ سكنيّ في لبنان اليوم لا بد من أن يَنصب أمام واجهته لوحةً تَعرض للمارة خريطةً لتوزّع الغرف في شققه، من ضمنها في أغلب الأحيان غرفة صغيرة تحمل اسم «غرفة الخادمة». في مثل هذه المجمّعات السكنيّة الخاصّة والـ«فيلّات» المرفّهة تلاقت رغباتٌ عدة فأهدت للمجتمع «المعجزة» الحضارية (!!) المسمّاة «غرفة الخادمة»: رغبات المجتمع المستجدّة مع الرأسمالية الاقتصادية المتوحّشة ورغبات أصحاب البيوت في «التباهي» بغرفة الخادمة ضمن توزيع المساحات في بيوتهم وإنْ لم تكن ثمة نيّةٌ لاحضارها، إضافة إلى رغبات المطوّرين العقاريين باستثمار الحدّ الأقصى الممكن من الأرض، وينضمّ إلى هؤلاء جميعًا «نظام الكفالة» متيحًا درجات متقدمة من الاستغلال والعنصرية والاستعباد... ليُنتج هذا كله «مساحات» لعاملات البيوت هي في أحسن الأحوال غير ملائمة لأبسط تعريفات «السكن اللائق» في القانون الدولي، وفي أسوئها وأغلبها قمعيّة وخطيرةُ الدلالات محليًّا.

بمنطق هندسي واحد تقريبًا تُعرَض «غرفة الخادمة» على خرائط المشاريع والمجمّعات السكنية في الشوارع، بتصنيف ودلالات عمرانية تخطّت مرحلة التطبيع إلى جعل تخصيص عائلات الطبقة المتوسطة والعليا ركنًا «حقيرًا» لعيش العمالة الفقيرة المغلوبة على أمرها أمرًا بديهيًّا. وتبقى الحالة اللبنانية فريدة في سياق الاستغلال العالمي للعمالة الرخيصة، كون الإطار القانوني النيوليبرالي أعطى الأولوية لتحقيق المطوّر العقاري الربح المالي على حساب القيَم الإنسانية والحقوقية.

الإطار القانوني المحلي الذي يحدّد شروط غرفة العاملة في لبنان هو قانون البناء اللبناني، الذي يتضمن العديد من البنود المتعلقة بشروط إيواء عاملات المنازل. وقد تبدّلت شروط هذا «المأوى» عبر الزمن مع تبدّلات القوانين مرات عدة، لكن الاسم لم يفارقه، بل صار أكثر «جندريةً»، عبر حصره بمسمّى «غرفة الخادمة»، بتنميط يحصر الخدمة المنزلية بالمرأة. ويحضر ذكر هذه الغرفة على امتداد النصوص القانونية إلى جانب أنواعٍ أخرى من الغرف، مثل «غرف التخزين» و«غرف الغسيل» و«المساحات المهدرة» (off-spaces) المخصصة لاستضافة البشر لفترات زمنية قصيرة.

وبدا واضحًا في القوانين -وأيضًا عبر الممارسة- تصنيفُ العاملة المنزلية ومسكنِها ضمن فئة «الخدمات» لا فئة السكّان في تصميم المساحة، ما يستوجب إخفاءهنّ بـ«أناقة»، لضمان عدم ظهورهنّ في حياة الأُسرة قدر الإمكان.

هذه المفاهيم و/أو الممارسات في العلاقة مع مهنة العمل في المنازل خضعت فعليًّا لتحوّلاتٍ ومحاولاتٍ وتناقضاتٍ جعلت من البحث التاريخيّ ضرورةً لسرد قصّة «غرفة الخادمة»، ما دفعني إلى تتبّع التطوّر التاريخيّ لهذه الغرفة، وهو تطوّرٌ يقع في صلب البنية الاجتماعية والاقتصادية والمكانية التي «هندست» حياة عاملة المنزل وحياتنا معًا.

الجزء الثاني

من لبنان الكبير إلى الخمسينيّات:
القانون والممارسة

مع دخول بلاد الشام النظام الرأسمالي تحوّلت بيروت في القرن التاسع عشر إلى واجهة رابطة بين البحر والجبل، وسرعان ما ضاقت مساحة المدينة بأهلها داخل الأسوار القديمة، وأصبحت مع توسيع مرفئها وتحديثه عام ١٨٩٤ المعبرَ الوحيد بحرًا إلى الداخل السوري لنقل المنتوجات الأوروبية واستيرادها (انظر: فواز طرابلسي). ومع تطوّر المرفأ ظهرت طبقة من كبار التجار وأصحاب الوكالات التجارية العاملة في استيراد البضائع والسلع الجديدة، ضمّت عائلات بيروتية عدة اشتُهرت إحداها بتجارة القماش، واشترت الأراضي الشاسعة في شارع ميّ زيادة بمنطقة كليمنصو حيث بنت عمارات لسكنها، هي عائلة كتّانة.

يشرح أحد آل كتانة:

«بالعشرينات اشتغلنا بتجارة القماش وكبر شغلنا. كنا من العائلات التجارية الكبيرة ببيروت. البناية عمّرناها سنة ١٩٢٦. بوقتها، مع الإنتداب الفرنسي، صار في بنايات تلات وأربع طوابق بيملكوها عيال التجّار الكبار. كان شي جديد وحديث ببيروت. بتذكَّر جبنا مهندس طلياني هوي يللي هندس بنايتنا. سقف الشقة عالي، أربع متار، وفيها متخَّت فوق المطبخ للمونة، منطلعلو بدرج حديد. لمّا جبنا خادمة بعدين بالخمسينات استعملنا المتخَّت غرفتها، متل ما كتير ناس عملوا بوقتها. مزبوط المتخَّت سقفو واطي، بس ما كانت مشكلة: الخادمات بهيداك الوقت أغلبيتهن كانوا زغار بالعمر».

رسم لطابق قياسي في مبنى كتانة (كليمنصو سنة 1920) يظهر عليّة فوق المطبخ مخصصة لنوم الخادمة

مع قيام الدولة اللبنانية سنة ١٩٤٣ وحتى بداية خمسينيّات القرن الماضي، طرأت تحولات جذرية على السكن والمجتمع أمْلت تغيّراتٍ في مساحة العاملات المنزليات ومكانتهنّ.

خلال هذه الفترة، شهدت بيروت نموًّا هائلًا جاوز قياسه ووتيرته التوقّعات. وقد أتى هذا النمو نتيجةً طبيعية لسلسلةٍ من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اجتاحت المنطقة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، كالتراكم المتسارع لرأس المال خلال الحرب العالمية الثانية، والقطيعة الجمركية مع سوريا سنة ١٩٥٠، وتدفق رؤوس الأموال من فلسطين ومصر وسوريا والخليج العربي بسبب الاحتلال والتأميم، والاستثمار المتسارع للحقول النفطية العربية (انظر: جاد تابت).

كانت مرحلةَ نموٍّ وبناءٍ شكّل فيها العمران وتصوّر المدينة جزءًا من تجربة الحداثة. تمَّ إنشاء معالمَ حديثةٍ، مثل ساحة البرج العثمانية، لتشجيع نشوء مفهومٍ جديدٍ للمجتمع، قائمٍ على أنه كيانٌ في تقدُّمٍ وتطوير وتحديث دائم.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

نفّذت مهمةَ وضع القانون لجنةٌ من مهندسين معماريين عاشوا ودرسوا في أوروبا زمنَ سيادة النهج الحداثيّ للعمران، فأتى القانون مماثلًا للنظرة الأوروبية إلى الحيّز المدينيّ والبناء (انظر: مروان غندور)، ما وضعه في سياقٍ استعماريّ حداثيّ ولم يكن يُنظر إليه بصفته وليدَ التجربة المحلية ومفاهيمها (انظر: مروان غندور). تمكّن عددٌ من المهندسين والمعماريين ذوي الصلات العائلية بأشخاص نافذين في سلطة الدولة، من السيطرة آنذاك على صناعة البناء والعمران، في ظل إنشاء نقابة للمهندسين ومديرية عامّة للتنظيم المدني منذ مطلع القرن العشرين.

سعى هؤلاء إلى إدخال الحداثة -من وجهة نظرهم- وطرق عيشها إلى بيوت البلد وشوارعه، فصبّ خطابهم المحليّ في سياق خطابٍ أوسع عن حداثةٍ أوروبية (انظر: مروان غندور) جسّدته المباني التي صمّموها. وقد زالت في تصاميمهم تدريجيًّا البيوت الصغيرة المحوطة بالجنائن وحلّ مطرحها نمطٌ معماريٌّ جديد قوامه العمارات السكنيّة المتعدّدة الطوابق. بات المسكن يشكّل وحدةً وظيفيّةً، وأصبحت غرفه تجسّد نظرةً جديدة إلى المكان تفصل بين مناطق النهار والليل على الطريقة الأوروبية، ففصلت هذه البيوتُ النومَ عن السكن، وكليهما عن الخدمات.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

نفّذت مهمةَ وضع القانون لجنةٌ من مهندسين معماريين عاشوا ودرسوا في أوروبا زمنَ سيادة النهج الحداثيّ للعمران، فأتى القانون مماثلًا للنظرة الأوروبية إلى الحيّز المدينيّ والبناء (انظر: مروان غندور)، ما وضعه في سياقٍ استعماريّ حداثيّ ولم يكن يُنظر إليه بصفته وليدَ التجربة المحلية ومفاهيمها (انظر: مروان غندور). تمكّن عددٌ من المهندسين والمعماريين ذوي الصلات العائلية بأشخاص نافذين في سلطة الدولة، من السيطرة آنذاك على صناعة البناء والعمران، في ظل إنشاء نقابة للمهندسين ومديرية عامّة للتنظيم المدني منذ مطلع القرن العشرين.

سعى هؤلاء إلى إدخال الحداثة -من وجهة نظرهم- وطرق عيشها إلى بيوت البلد وشوارعه، فصبّ خطابهم المحليّ في سياق خطابٍ أوسع عن حداثةٍ أوروبية (انظر: مروان غندور) جسّدته المباني التي صمّموها. وقد زالت في تصاميمهم تدريجيًّا البيوت الصغيرة المحوطة بالجنائن وحلّ مطرحها نمطٌ معماريٌّ جديد قوامه العمارات السكنيّة المتعدّدة الطوابق. بات المسكن يشكّل وحدةً وظيفيّةً، وأصبحت غرفه تجسّد نظرةً جديدة إلى المكان تفصل بين مناطق النهار والليل على الطريقة الأوروبية، ففصلت هذه البيوتُ النومَ عن السكن، وكليهما عن الخدمات.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

نفّذت مهمةَ وضع القانون لجنةٌ من مهندسين معماريين عاشوا ودرسوا في أوروبا زمنَ سيادة النهج الحداثيّ للعمران، فأتى القانون مماثلًا للنظرة الأوروبية إلى الحيّز المدينيّ والبناء (انظر: مروان غندور)، ما وضعه في سياقٍ استعماريّ حداثيّ ولم يكن يُنظر إليه بصفته وليدَ التجربة المحلية ومفاهيمها (انظر: مروان غندور). تمكّن عددٌ من المهندسين والمعماريين ذوي الصلات العائلية بأشخاص نافذين في سلطة الدولة، من السيطرة آنذاك على صناعة البناء والعمران، في ظل إنشاء نقابة للمهندسين ومديرية عامّة للتنظيم المدني منذ مطلع القرن العشرين.

سعى هؤلاء إلى إدخال الحداثة -من وجهة نظرهم- وطرق عيشها إلى بيوت البلد وشوارعه، فصبّ خطابهم المحليّ في سياق خطابٍ أوسع عن حداثةٍ أوروبية (انظر: مروان غندور) جسّدته المباني التي صمّموها. وقد زالت في تصاميمهم تدريجيًّا البيوت الصغيرة المحوطة بالجنائن وحلّ مطرحها نمطٌ معماريٌّ جديد قوامه العمارات السكنيّة المتعدّدة الطوابق. بات المسكن يشكّل وحدةً وظيفيّةً، وأصبحت غرفه تجسّد نظرةً جديدة إلى المكان تفصل بين مناطق النهار والليل على الطريقة الأوروبية، ففصلت هذه البيوتُ النومَ عن السكن، وكليهما عن الخدمات.

أتى التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة سنة ١٩٤٣ مناقضًا للسياسات المعتمدة في دول ما بعد الاستعمار في المنطقة، إذ أنشأت هذه الدول مؤسسات عامّةً للعمران ووعدت بإنتاج سياساتٍ رعائيةٍ حديثة، أما حلم لبنان فلم يكن مرتبطًا بالدولة الراعية، بل بالتخصص في إنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الاسترخاء والتهاون باسم تشجيع الاقتصاد الحرّ (انظر: زياد أبو الريش). في هذه الأجواء، تمّ وضع قانون البناء اللبناني الأول سنة ١٩٤٠، وهو نسخةٌ محدّثة ومنقّحة عن قانون البناء الفرنسي آنذاك.

«عشر دقائق من المدينة، أراضي وفيلات بالتقسيط»
«الشركة اللبنانية للتطوير العقاري - SLAF تعرض عليكم أن تصبحوا ملّاكين لبيتٍ في بنايةٍ في بيروت، عبر دفعات طويلة الأمد وبشروط منطقية.»
مقرٌّ لأميرة! حيّ سرسق، شقق للبيع، مواد بنائها فاخرة، صالة الطعام من رخام، التدفئة كهربائية («شوفّاج»)، مرآب، وغرفة للخادمة!»
مقرٌّ لأميرة! حيّ سرسق، شقق للبيع، مواد بنائها فاخرة، صالة الطعام من رخام، التدفئة كهربائية («شوفّاج»)، مرآب، وغرفة للخادمة!»
إعلانات لمشاريع سكنية للمؤسسة اللبنانية للتطوير العقاري SLAF في مجلة
La Revue Du Liban
1961-1957

كما عائلة كتانة، شهدت الخمسينيّات ازديادًا في الطلب على استقدام عاملات المنازل من سوريا. في البداية كانت غالبيتهن علويات سوريات، ثم لاحقًا تم استقدام فتيات من عكار وجبل محسن ووادي خالد في لبنان (انظر: مقابلة مع صاحب مكتب عمل في تلك الحقبة). كان السواد الأعظم من الخادمات من صغار السنّ، وكان الطلب عليهن كبيرًا.

لاقت هذه الطبقة البرجوازية الناشئة التشجيع محليًّا على شراء الشقّق الحديثة. شققٌ فيها «شوفّاج»، وموقف سيارات، وزجاج ألمنيوم، و.. و.. «غرفة خادمة». وخرج قانون البناء الجديد لسنة ١٩٥٤ (مستوحًى من القديم) ليزيد عمليات البناء سعارًا، بفعل عملية حسابية مادية صرف لعوامل الاستثمار العقاري، كما ليتيح البناء بالطريقة ذاتها في مناطق لبنان كافة، ضاربًا عرض الحائط بالخصوصيّات المناطقية العديدة، مثل تكوين الأرض والجغرافيا والمجتمعات المحلية.

كذلك، ميّز قانون سنة ١٩٥٤ بين «الغرف المُعدّة للسكن» و«غرف الخدم»، تثبيتًا لتمييز تصنيف العمالة المنزلية بصفتها جزءًا من الخدمات، لا البشر سكّان المكان، كما يظهر في النصّ التالي: «يحدّد مدى وقوع النظر الأدنى للغرف المعدّة للسكن نهارًا أو ليلًا نهارًا، وللمطابخ وغرف الخدم...». وكما هو واضح ومبيَّن، ورغم التصنيف المجحف، حدّد هذا القانون ضرورة دخول الضوء ووجود الشبابيك (ما يُسمى بـ «مدى وقوع النظر») إلى جميع هذه المساحات بالمعايير ذاتها كشرطٍ لترخيص التصميم والبناء.

ومع دخول «الخدم» بيوت المدينة المنشأة سابقًا، استُبدلت غرفٌ بغرفٍ وأدوارٌ بأدوار، فتخلّى مبنى دورافور في عين المريسة مثلًا عن المتخَّت (غرفة المونة) واستبدل بها غرفةَ «خدم» تقع بالقرب من المطبخ أو فوقه، وانغلقت المساكن على نفسها وفُصلت الوظائف فيها بشكل ممنهج، وانسحب هذا النموذج على المدينة بأكملها، عاكسًا تطلعات الطبقة الوسطى الآخذة في النمو، فصار تحديد مساحةٍ لـ«غرفة الخادمة» من «هدايا» الحداثة والتطوّر ورفاهية العيش لهذه الطبقة الوسطى، عبر القروض والسوق العقارية الناشئة في الضواحي، كما ظهر في العديد من الإعلانات والمواد الترويجية للمشاريع العقارية آنذاك، لا سيّما مشاريع "غالينا دورافور".

غالينا دورافور كانت سيدة روسية عمل والدها بدمشق في «السجل العقاري» بإدارة كاميل دورافور، الذي باشر مع حلول الانتداب الفرنسي بتسجيل الأراضي في سوريا ولبنان. عُيّنت غالينا مدققةً حسابية في السجل العقاري، حيث التقت بزوجها كاميل دورافور.

عندما توفي زوجها في العام ١٩٤١، شغلت منصبه لمدة ١٨ شهرًا إلى حين استلم المنصب منها وفد خبراء فرنسيين (انظر: جورج عربيد). خلال عملها في السجل العقاري نسجت غالينا شبكة علاقات مكّنتها من العمل في قطاع التطوير العقاري، وفيه جمعت ثروتها. في العام ١٩٤٥، أسست مدام دورافور مع رجل الأعمال ميشال زغزغي «الشركة اللبنانية للتطوير العقاري: SLAF».

الجزء الثالث

في خضم مجتمع الستينيّات واقتصادها

منذ مطلع الستينيّات وما رافقها من تحوّلاتٍ اجتماعية واقتصادية، ازداد تعقيد المساحة المخصصة لنوم العاملة في البيت.

خلال «المرحلة الشهابيّة» التي وصفها البعض بـ«عهد البحبوحة»، هربت الرساميل العربية من قرارات التأميم الصادرة في كلّ من مصر وسوريا ودخلت مصارف لبنان تختبئ فيها (انظر: مقابلة مع رهيف فياض). كانت تلك مرحلة هامّة في تكوين البرجوازية اللبنانية، التي شهدت ارتقاءً وتوسّعًا اجتماعيين، وتشكلت داخلها طبقةٌ وسطى أيضًا (انظر: جاد تابت). كما شهد مطلع الستينيّات اعتماد السلطات «الشهابيّة» سياسةً جديدةً قامت على تقوية دور الدولة المركزية وتعزيز مؤسساتها، فنظّمت الموجودةَ منها وأنشأت مؤسسات جديدة. كما عزّزت السلطات مكانة المؤسسة العسكرية، وبنت مساكن للضبّاط والجنود في بيروت وصيدا وبعبدا وغيرها من المناطق، فبات لهذه الطبقة تطلّعاتها أيضًا (انظر: فواز طرابلسي).

في هذه المرحلة من عمر لبنان، ازداد حضور النساء في سوق العمل، وبات وجود العاملة المنزلية في بيوت عائلات الطبقة الوسطى ضروةً وواقعًا منتشرًا. لكنّ هذا الوجود، وتحديدًا في بيوت الطبقة الوسطى غير المرفّهة، حيث لا مساحة مخصّصة للعمالة المنزلية، أنتج واقعًا غير رسميّ يفيد بأن العائلة هي التي تختار مكان نوم العاملة في البيت.

عائلة مروان عاشت حياتها في منطقة الطريق الجديدة. كان الأب يعمل في مؤسسةٍ غير حكومية والأم تعلّم في مدرسةٍ رسمية في المنطقة. احتاجت العائلة إلى مساعدة في البيت، فكانت جميلة القادمة من طرطوس في منتصف الستينيّات هي المساعدة. عاشت جميلة معهم، وطوّرت علاقات وطيدة مع أهالي المنطقة والحيّ، ونامت ليلًا على فرشةٍ في إحدى الغرف. تلك كانت حالة جميلة وكثيرات مثلها في البيوت التي خلت من «غرفة الخادمة»، لكنها لم تكن الحال السائدة في جميع البيوت.

يشرح حمدان، الموظف في مكتب استقدام عاملات منزليات خلال تلك المرحلة، قائلًا:

«زبائننا كانوا مدراء عامّين ورؤساء دوائر حكومية ومهندسين وأطباء وقضاة وكتار من السلك العسكري. هاي بأوائل الستينات. كنا نسمّيها «عهد البحبوحة». وقتها، الرئيس فؤاد شهاب كان عم يبني مؤسسات الدولة، وخلقت وظايف جديدة بهالمؤسسات. كترت العيل يلي صارت تجيب من عنا خادمات، بس أغلب بيوتهن ما فيها غرفة خادمة. أنا، بحُكم شغلي كموظف بمكتب خدم، كنت زور هالبيوت لأقبض مصاري. كانوا يمدوا للخادمة فرشة بالمطبخ أو تحت طاولة السفرة أو بالكوريدور. في بيوت كانت تنيّمها بخزانة الفرش، وفي بيوت كانت تنيّمها ع التتخيتة فوق المطبخ، بينطلعلها بسلّم».

كيف تدنّت نسبة «غرفة الخادمة» من المساحة الإجمالية بهذا الشكل؟ كيف استقر بسلام في أذهاننا وبيوتنا هذا التناقض بين صغر مساحة الغرفة وضيق الشباك من جهة وقانون البناء الذي يوجب «مدًى لوقوع النظر» ، أي إتاحة دخول الهواء والنور الكافيين لحياة الإنسان، من جهة أخرى؟

تمكن هنا قراءة تحليل خرائط المباني التالية:
مبنى رفيق غندور المنطقة: الروشة المعمار ّي: أديب شاير سنة البناء: ١٩٥٨ مساحة الش ّقة: ٤٢٥ متر مربع مساحة الخدمات: ١٠٤ متر مربع «غرفة الخادمة»: ١٢ متر مربع نسبة «غرفة الخادمة» من المساحة الإجمالية: ٢.٦ في المئة
الجزء الرابع

جنون الربح في السبعينيّات والحرب

منذ توفيت وحتى اليوم، ما زلت أسأل نفسي: ما الذي قتل عايشة؟ «كانون الفحم» الذي أدخلته إلى غرفتها، أم أهلي الذين أتوا بها إلى بيتنا ولم يعتنوا بها كفاية، أم ضيق غرفتها وصغر حجم النافذة فيها؟

دخلتُ غرفة أمي وفتحتُ الدرج حيث يحتفظون بالأوراق الرسمية ومستندات العائلة، بحثت فيه عن خريطة الشقّة، وجدتها في ملف كُتِب عليه: «شقة الرملة البيضاء ١٩٧٣»:

مساحة الشقة ٣٣٠ مترًا مربعًا؛ مساحة «غرفة الخادمة» ٥ أمتار مربعة.
نسبة غرفة عايشة من المساحة الإجمالية للشقة هي ١.٥ في المئة.

سقف الغرفة منخفض، كون المعماري الذي هندس الشقة وضع إمدادات التهوئة والمياه فوق غرفتها، «غرفة الخادمة».

رسم مقطعي لغرفة الخادمة في مبنى الرملة البيضاء (١٩٧٣)

حملت سؤالي المستمر وذهبت به إلى مكاتب مصلحة الهندسة في بلدية بيروت. بحثت عن إجابة له في أرشيف رخص البناء التي منحتها البلدية خلال سبعينيّات بيروت وثمانينيّاتها.

هناك، وبين عشرات رخص البناء المحفوظة في ملفاتٍ تتكوّم فوق رفوفٍ مغبرّة بترتيبٍ يتبع سنة الإصدار، اكتشفت أن غرفة العاملة لم ترد في أي من الرخص الصادرة خلال السبعينيّات والثمانينيّات بصفتها «غرفة الخادمة»، وإلا لما سمح القانون بإعطاء الرخصة. تحضر الغرفة في هذه الرخص بصفتها حمّامًا، غرفة تنظيف أو مونة، لتبرير صغر حجمها. وتلك كانت الحال بالنسبة إلى شقّة عائلتي في منطقة الرملة البيضاء.

عمارة السبعينيّات «عبّرت» عن سنوات تعظيم الربح، فشهدت تكثيف سطوة «الأوليغارشية» التجارية والمالية على الإقتصاد وتداخلها مع الطبقة السياسية الحاكمة. بواسطة ألعابٍ رقميّة بسيطة، تقلّص حجم «غرفة الخادمة» إلى أدنى حدّ بهدف توسيع المساحات المخصصة للزبون.

يقول مهندسٌ معماريٌّ عن هذه الآلية:

«قانون البناء المكتوب سنة ١٩٥٤ بيقول إنو غرفة الخادمة، متل باقي الغرف، لازم يكون فيها شبّاك مساحتو كافية ليفوت ضوّ وهوا. بيسمّوها مدى وقوع النظر. إذا أنا بدي طبّق القانون بيصير بدّي حطّ غرفة الخادمة على واجهة من واجهات البناية، وهيدا أمر مستحيل بالنسبة للمستثمر، وبيجيب مهندس غيري! الأولوية بالواجهة لمساحات أصحاب البيت، فبعمل غرفة الخادمة بتطلّ على المنور أو على البرندا بشبّاك صغير أو بلا شباك. ولآخد رخصة بحط عالخرايط أنها غرفة غسيل أو غرفة مونة».

في الثمانينيّات، ازدادت عمليات البناء وارتكزت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية على تشجيع الاستثمار بواسطة القروض الكبيرة الحجم. وفي الثمانينيّات أيضًا، تزايد استقدام نساء سيريلانكيات للعمل في الخدمة المنزلية في لبنان، علمًا أن الاستقدام بدأ سنة ١٩٧٨. ومن المهم معرفة أن حركة الاستقدام استهدفت نساءً من فيتنام وتايلاندا أيضًا، إلا أن سلطات البلدين منعت النساء من السفر للعمل في لبنان لأسباب مرتبطة بظروف الخدمة. خلالها، وفي ظل ازدهار أعمال مكاتب الاستقدام الجديدة، استمر بناء الشقق الفخمة التي تحتوي على «غرفة خادمة» بأحجام دون المستوى المطلوب والمحدّد قانونًا، وفي أغلب الأحيان بلا شبّاك.

كما شاعت في تلك المرحلة ظاهرة «تقزيز بلكون المطبخ»، أي تحويل الشرفة الصغيرة المجاورة للمطبخ إلى غرفة، عبر إقفال المساحة المفتوحة على الشارع بألواح زجاجٍ كثيرًا ما تتضمّن شبّاكًا.

تشرح صديقتي ريا:

«اشترينا بيتنا بمنطقة البسطة التحتا بالتقسيط لما تزوجت غسان سنة ١٩٧٦. لما صار عنا ولاد، وكنا نحنا التْنين منشتغل، قررنا نجيب عاملة لتساعدنا. كانت من سيريلانكا. كان وقتها صار في كتير ناس بيجيبو خادمات، لأنو كان رخيص. بس شقتنا صغيرة، غرفتين نوم، وما فيها غرفة خادمة. وبوقتها، بالحرب الأهلية، كان كل يلي حوالينا قززوا بلاكينهن ليكسبو مساحة بالبيت. فنحنا قززنا بلكون المطبخ وصار غرفة خادمة. أنا ما بحب شو عملنا. بس الكل استفاد من الحرب».

الجزء الخامس

وأخيرًا، قانون بناء جديد بلا نور وهواء للعاملة

سنة ١٩٩٠، أُعلنت نهاية الحرب اللبنانية، ومع نهايتها استقرّ وجود العاملات في منازل فئات واسعة من اللبنانيين سكّان المدن. في ظلّ نظامٍ عالميّ قائم على السوق المفتوحة والمعولمة، بحث اللبناني –كسواه- عن مساحة ربحٍ واسعة وعمالةٍ رخيصة، وأتاح نظام الكفالة له ذلك.

صارت «غرفة الخادمة» حاضرةً بشكل مستتب نسبيًّا في معظم المشاريع العقارية في لبنان. تتم هندستها في منطقة معزولة، ضيّقة، قريبة من المطبخ، وأحيانًا بلا نافذة. وقد تحتوي الغرفة على حمّام صغير لتجنّب استخدام العاملةِ حمّامَ العائلة، فتبقى مساحات الأسرة مفصولة نظريًّا على مساحة العاملة.

ومنذ نهاية الحرب، سادت البلدَ سياساتُ إعادة إعمارٍ رفعت أسعار العقارات والشقق، لا سيّما في بيروت. حلّت مرحلةٌ نيوليبرالية واسعة النطاق شهدت تكريس استثمارات ضخمة لإعادة ترسيخ بيروت كمركزٍ للخدمات الإقليمية، فعملت الحكومات المتتالية على تسهيل شروط عمل المستثمرين المحليين والأجانب في العقارات، وزادت النسب المسموح فيها للبناء (المرسوم ٢٧٩١/١٩٩٢).

يشرح المدير العام السابق للمديرية العامة للتنظيم المدني المهندس محمد فواز:

«سنة ١٩٧١، صدر قانون بناء جديد زاد إمكان الاستثمار بطوابق أكتر، وأعطى الأفضلية لمصلحة مالك المبنى ورغباتو وزيادة ثروتو. كنت بالتمانينات مدير التنظيم المدني، وحطينا مشروع مرسوم ليحل محل قانون الـ٧١، بس كانت المعارضة كبيرة عليه. بعد أكثر من ٨ سنين من النقاش، صدر مرسوم بالـ٩٢ بيتضمن جزء كتير صغير من طموحاتنا بالمحافظة على الشكل المناسب للمدينة وإعطاء الأفضلية لمصلحة السكان كمجموع. لِقِي هيدا المرسوم معارضة عنيفة من تجار الأبنية فوْر نشْرو، فألّف مجلس الوزراء لجنة من عشرة أشخاص برئاسة وزير الأشغال العامة والنقل، بتضمّ نقيب المهندسين ببيروت والمدير العام للشؤون الفنية برئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ورئيس دائرة المباني ببلدية بيروت. بعد نقاشات حادة، أقرّت اللجنة بأكترية تسعة ضد واحد إقتراح المجلس الأعلى، وأنا كنت المعارض الوحيد لهالقرار داخل اللجنة».

خلال هذه المرحلة، تمّ إنشاء إطار مؤسساتي للإستثمار العقاري بلبنان، من شأنو تقديم الحوافز للمستثمرين وخفض الضرايب على الاستثمار، هو مؤسسة «إيدال». المؤسسة تأسّست سنة ١٩٩٤ ومهمتها تشجيع الإستثمارات.

بظل هذه الإجراءات والقرارات التحفيزية للمقاربة التجارية للعقارات، ارتفعت الأسعار وسيطروا تجّار البِنا على عملية إنتاج العمارات ببيروت، فكان من «غير المقبول» بالمنطق الإستثماري تأمين مساحة كافية لـ«غرفة الخادمة» تحترم شرط «مدى وقوع النظر».

البحث في أرشيف رخص البناء التي منحتها بلدية بيروت خلال هذه المرحلة يؤكد انتشار الممارسة القائمة على تقديم خرائط رخص تحضر فيها المساحة المخصصة لنوم العاملة المنزلية على أنها غرفة مؤنة أو غرفة غسيل، وكلتاهما من غرف الخدمات التي لا يتوجب منحها مدى لوقوع النظر، بمعنى أن لا ضرورة لشبّاك يتيح دخول الضوء والهواء إليها.

وبالاطلاع على رخص مشروع الصيفي السكني في وسط بيروت، أو مشروع بناء سكنيّ للمعماري جورج ريّس، أو غيرها الكثير من خرائط الرخص، تحضر كلمة «غرفة غسيل» في المكان المحدد لغرفة العاملة، يؤكد ذلك رئيس «مصلحة الهندسة في بلدية بيروت»، الذي يمنح موافقته على تراخيص البناء، في مقابلة أجريتها معه. يقول: «شو هيي رح تتجوّز فيها للغرفة؟! إيه، كنا عارفين إنها أصغر من تحديد القانون. استخدام سمة «غرفة غسيل» مخرج مناسب».

رسم لشقة في طابق قياسي في برج سكني (الأشرفية - ٢٠٠١)

وتبدّلت نسب توزيع المساحات في هذه الشقق، فكبر المطبخ وضاقت غرفة العاملة. وفي المباني الفخمة، تم توفير مدخل منفصل للخدمات تستخدمه العاملة، بحيث يصير بوسعها أن تدخل إلى الشقة وتخرج منها من دون الظهور في بقية مساحات السكن، فتدخل غرفتها عبر المطبخ أو عبر شرفة المطبخ. في الخلاصة، شكّلت غرفة العاملة المنزلية الحلقة الأضعف في لعبةٍ مالية تقوم على تعظيم الاستثمار في آلية إنتاج السكن في لبنان.

من ممارسات تجار البناء هذه خلال التسعينيّات، تعلّم النظام الحاكم دروسًا طبّقها في قانون البناء الصادر سنة ٢٠٠٤، فقد تغيّر في القانون الجديد الإطار التنظيمي للبناء في لبنان إلى حدٍّ كبير باتجاه تشجيع تداولٍ أكثر كثافة لرأس المال في قطاع العقارات، وتدخّلت في صياغة قانون البناء الجديد جمعية أسسها تجّار البناء، فعدّلت النصّ ليلبي احتياجاتهم الفورية في إنتاج واستثمار أبنيةٍ أعلى وأكثر. ضاعفوا عامل الاستثمار السطحيّ والعام، و استثنوا العديد من المساحات من عامل الاستثمار.

في مقابلة معه، روى أحد أعضاء «جمعية منشئي وتجار البناء في لبنان»:

«قانون سنة ٢٠٠٤ كتبناه هون عنا بمكتب الجمعية. نحنا دايمًا على تواصل مع الوزراء والنواب. كتبنا مشروع القانون وقدمناه للمجلس الأعلى ومجلس النواب ووافقو عليه بدون أيّ تعديل. القانون بيسهّل شغلنا، والأهم إنه بيسمحلنا نستثني بعض المساحات من يللي بيحقّلنا نعمّرو، متل الدراج والحيطان والممرات يللي بتوصل لغرف الخدم، لنربح مساحة عمار أكبر. وقلنا باقتراح القانون إنو غرفة الخادمة ما ضروري تكون مطلّة على شي، هيك بيستفيدوا أهل البيت. الخادمة مش رح تتجوز فيها للغرفة».

وتشترط المادة «ألا تزيد مساحة المطبخ أو غرفة الغسيل أو غرفة الكوي أو غرفة المونة أو غرفة الخادمة على ثمانية أمتار مربعة» لكي يحق لها أن تستفيد من الإعفاء من مدى وقوع النظر.

وهكذا، وبقوة هذا القانون، انتظم إنتاج «غرفة الخادمة» في جميع المباني المشيّدة بعد سنة ٢٠٠٤. هذا القانون رسّخ الممارسات الشاذة السابقة وثبّتها. صارت غرفتها مساحة «خدمة» فقط ولا حياة فيها، صغيرة الحجم، بلا شبّاك. ترسّخ كذلك مرور العاملة عبر شرفة المطبخ للوصول إلى غرفتها، كي لا يؤثّر مرورها في حياة المطبخ المستقلة عنها. وهكذا، تصبح غير مرئيةٍ أكثر فأكثر.

يقول عماد الذي يقيم في منطقة الأونيسكو:

«المطبخ جزءٌ أساسيّ من حياتنا اليومية. بس هي لمّا بدها تجلي أو تطبخ أريح لإلها وأريح لإلنا إنو ما نكون بوجهها ولا تكون بوجهنا. فقززنا البرندة، وعملنالها فيها مطبخ تاني، بتستعملو للجلي والغسيل. هيك بتصير مرتي تشتغل ع راحتها بالمطبخ، وما بتوقف هي ويّاها ع نفس المجلى».

الجزء السادس

الخاتمة

هذه هي قصة «غرفة الخادمة». وهي قصة لم تبدأ من بيوت ارتجلتها في مساحةٍ مخفية من البيت، ولا هي تنتهي عند واقع خطير اليوم يحتاج إلى تدخّل عاجل.

الموت لم يصب عايشة بسبب البرد و«كانون النار» وضيق هذه الغرفة أو ظروف ذاك البيت. الموت لم يصبها للأسباب المباشرة التي كُتبت على شهادة الوفاة. الموت وصلها عبر سياسةٍ معتمدة هنا وتقوم على استرخاص حياة الإنسان في مقابل تعظيم الربح، وبخاصة عندما يكون هذا الإنسان في غربةٍ وأكثر استباحةً على مستويات عدة، كالقدرة المالية والعرق والجندر.

إن العاملة المهاجرة إلى خدمتنا منزليًّا هي في موقع أضعفنا. أنتجت السلطات الرسمية وغير الرسمية هذا الموقع وتزيده قوة وثباتًا يوميًّا بالقانون، أما الممارسة فجعلت حياة هذه العاملة هشةً وقابلة للإلغاء لجني نسبةٍ أعلى من أموال الاستثمار. إن تحديد مواصفات الغرفة هو سيطرة على حياة المقيم فيها، وحال الغرفة ينعكس على حاله، فإذا أوقع بنفسه أو حلّ به أقصى العواقب، وهو الموت، فإنها جريمة لا تقتصر عليه، فالعزل، وغياب المساحة الخاصة، وتحويل ساعات حياته كلها ساعات عمل، وتحويله هو نفسه أداةً تؤمر ولا يجب أن تجيب إلا بهزّ الرأس، والتحكّم بزمانه ومكانه، والتحكّم بحركاته وأمنه الجسدي والنفسي، والتحكّم بطعامه وشرابه، وحياته الشخصية، حتى الماضية منها ... كل هذا وسواه من اضطهاد شريك في الجريمة، فيما يستمر النظام اللبناني –للأسف الشديد- في «تقديس» عامل الاستثمار بالتوازي مع خفض أهمية حياة العاملة في الخدمة المنزلية. لقد بات ربّ عمل العاملة المنزلية كمن «يستملك» حياتها، ويعتبرها جزءًا من خدمات بيته، تدعمه في هذا الفعل المستقبح السياسة التي تنظم حياتها في لبنان.

في نهاية المطاف، القانون الذي كتبه أصحاب المال والسلطة لن ينصف سواهم.

كيف تدنّت نسبة «غرفة الخادمة» من المساحة الإجمالية بهذا الشكل؟ كيف استقر بسلام في أذهاننا وبيوتنا هذا التناقض بين صغر مساحة الغرفة وضيق الشباك من جهة وقانون البناء الذي يوجب مدى لوقوع النظر؟ وأي مواصفات تتيح دخول الهواء والنور الكافيين لحياة الإنسان من جهة أخرى؟