003
الفصل الرابع

الأبيض والأسود

لا يمكن فصل العنف الذي تتعرض له عاملات المنازل المهاجرات في جميع أنحاء لبنان عن مسألة التفوّق العرقي. وبقدر ما يعمل النظام الاجتماعي بأكمله على إبقاء العاملات المنزليات غير مرئيات، فإن أعدادهن الكبيرة ليست ببساطة نتيجة حاجةٍ متزايدة للمساعدة المنزلية داخل المنازل الفردية. وبالمثل، فإن سوء معاملة هؤلاء العاملات ليس مجرد نتيجة للتسلسل الهرمي الذي يفاضل أنواعاً معينة من العمل فوق سواها. بل إن اضطهاد مئات الآلاف من النساء الأفريقيات والآسيويات في جميع أنحاء لبنان يلعب دوراً محورياً في خلق بنية عرقية يصبح من خلالها اللبنانيون "بيضاً" ، بينما يصبح المهاجرون المتنوعون هم "السود".

ماذا تعني الاستعانة بمساعدة خارجية للقيام بكامل الأعمال المنزلية الأساسية من الطهي لللتنظيف والعناية؟، بل وحصر هذه المهام بمجموعات من الأشخاص من جنسية وثقافة ولغة مختلفة؟ كيف يمكن لعدم إلمام عاملة منزلية باللغة المحكية في لبنان أو بالأعراف الثقافية لهذا المجتمع أن يؤدي إلى تُعاملها على أنها غريبة تماماً رغم أنها جزء لا يتجزأ من كل جانب من جوانب حياتنا؟ كيف أصبح من الممكن إخفاء مجتمعات بأكملها في نفس الوقت الذي يتم فيه التمييز ضدهم من خلال القوالب النمطية العنصرية والممارسات التعسفية؟ وربما الأهم من ذلك، كيف يمكننا فهم الروابط بين هيكل الهيمنة والأفكار الشعبية المتوارثة حول الاختلاف العرقي؟ حتى لو تم إصلاح نظام الكفالة ومنح العاملات المنزليات حقوقهن كعمال، كيف يمكننا إصلاح هذا المفهوم الأوسع للتفوق اللبناني؟

إستحالة البيانو الرّمادي: أن أكون لبنانيّة «بيضاء»

مريم يونس

«نحن نكتب عن شيءٍ واحٍد فقط، وهو تجربتنا الشخصيّة. كلُّ شيءٍ يعتمد على مدى مثابرتنا في استخراج آخر قطرة من تلك التجربة، حلوة كانت أو مُرّة».
(جيمس بالدوين: مذكّرات لإبن أصلي: ٧)

«إذا لم يكن للتّابعين لا تاريخ ولا صوت في سياق الإنتاج الإستعماري، فإن الإناث منهم، أي التّابعات، هُنَّ أكثر غَرَقاً في الظِّل».
(غاياتري تشاكراڤورتي سپيڤاك، هل يمكن للتّابع أن يتكلَّم؟:٨٩)

وُلِدتُ في ألمانيا في العام ١٩٨١ من أبٍ لبناني وأُمٍّ ألمانية. وعلى الرغم من أنني ولدت مع جواز سفر ألماني وبشرة بيضاء، فقد نما شعري أسوداً مُجَعَّداً كشعر أبي اللبناني. لُغتي الأم كانت وستظلُّ دائماً الألمانيّة، إلّا أن إسمي وكُنيَتي الأولى عربيَّان. التحقتُ بحضانات ومدارس ألمانيّة حصراً، ولم أزُر لبنان حتّى سنّ التاسعة عشر. مع ذلك، لطالما كانت خاصيّة «الاختلاط» – أياً كان معنى هذا الكلمة – مرتبطًة بإسمي، وأحياناً بشكلي أو بتاريخ عائلتي، فأصبحتُ معتادةً على أسئلة من نوع: «ما هو أصل اسمكِ؟» «هل تتكلّمين العربيّة؟» «هل تزورين لبنان؟» «ألا تريدين أن تذهبي إلى هناك أبداً؟»، هذا بالإضافة إلى تصريحات مثل: «لغتك الألمانيّة ممتازة». «لا تبدين مهتمّة بلبنان». «الحرب مشتعلة هناك». لعبت هذه الأسئلة والتصريحات، بالإضافة إلى إدراكي البسيط بكوني «مُختَلَطة»، دوراً وَلَو صغيراً في جعلي أشعر بالدّونيّة والغرابة في الوقت نفسه. هذا بالإضافة إلى القليل من الشَّفَقة التي يظهرها الآخرون، شفقة تخوّلهم طرح أسئلة يجهلون ما إذا كنتُ أعرف كيف أجيبُ عليها، أو ما إذا كانت ستشعرني بعدم الأمان والإحراج. هل أنا «بيضاء» أم «سوداء» أم «بنيّة»؟ هل أتنقّل بين اللونَين؟ متى كنتُ «بيضاء» ومتى «سوداء»؟ هل دمجتُ اللونَين في احدى درجات الرّمادي؟ أعتقد أنني امرأة «بيضاء» تدرك إلى حدٍّ ما امتلاكها لبعض السِّمات السّوداء المخفيّة والمجهولة. سماتٌ كان يغطّيها العار أحياناً، والفخر أحياناً أخرى، أو حتّى الحزن – لكن بشكلٍ عام، لم تكن تشكّل عبئاً كبيراً لي في أيّام طفولتي ومراهقتي.

عندما بلغتُ التاسعة عشر من عمري، قرّرت الانتقال للعيش في لبنان بهدف اكتشاف تلك الجذور التي لم أعرفها قبلاً، من ذلك الحين وأنا أسافر من وإلى لبنان بشكلٍ منتظم. على مدى السنوات السبعة عشر الأخيرة من أسفاري، التي كنتُ خلالها أعمل وأعيش بشكل جزئي في لبنان، كان يُقال لي بأنني أصبحتُ أكثر فأكثر «لبنانيّة»، وكنتُ غالباً ما أسمع جُملاً من قبيل: «مظهرك لبناني، تتكلّمين كاللبنانيين، تتصرّفين كاللبنانيين»، كل هذا في محاولةٍ لإصدار قرار، ولو قسراً، بشأن كيانٍ متناقض. مع ذلك، أعتقد أنني أصبحتُ، منذ أن انتقلت للعيش في لبنان، إمرأة «بيضاء» أكثر حَزماً وقدرةً على اتخاذ القرارات. بيضاء بسبب جواز سفري، بيضاء بسبب امتيازاتي وحقوقي المتعدّدة (الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة)، وبيضاء بسبب استطاعتي وقدرتي على اختيار كل جانب من جوانب حياتي اليوميّة تقريباً. بيضاء لأنني عندما قرّرتُ الإنتقال إلى لبنان، قمتُ باستخدام أحد امتيازاتي بإظهار رغبتي وشجاعتي في مخاطبة الجانب الأسود منّي، وفي كشفه والإفصاح عنه ومناقشته، في البَوح به وتِبيانه. لذا، أنا اليوم بيضاء لكنني لم أعُد أشعر بالخجل أو بالذنب من أن أكون «سوداء» مزعومة أو مختبئة، ولا أمثّل «بياضي»، وإن كان البياض يمثّلُ قوّة وعنف الاستعلاء والفوقيّة. كَمَن يُمارسُ أحد الفنون الجميلة، أبحرُ بين خطَّين مُرهَفَين ودَقيقَين: أستكشفُ جانبي الأسود، بينما أصادق بحذرٍ وانتظام على جانبي الأبيض.

ماذا بشأن الأبيض والأسود؟ ما هو معنى كل واحد منهما؟ ما الذي يمكن إضافته اليوم بعد كل الذي كُتِبَ عن الانتماء إلى أحد العرقَين وعن ديناميّات القوّة والعنصريّة والامتيازات والعلاقة بالاستعمار وما بعد الاستعمار، وعن الدّونيّة المزعومة وعن الخوف والغضب والكراهية والإرهاب وعن حتميّة حركيّتهم؟ ما الذي يمكن كتابته بعد فرانز فانون وجيمس بالدوين وغاياتري تشاكراڤورتي سپيڤاك، والكثيرين غيرهم الذين تناولوا هذا المفهوم من وجهة نظرِ أشخاصٍ مُلَوَّنين وتابعين ومقاومين للوضع الرّاهن؟

لماذا قرّرت – على الرغم من ذلك – الكتابة عن هذا الموضوع من جديد؟ كانت فكرة الأسود والأبيض نقطة نقاش دائمة أثناء تصوير فيلم «مَخدومين». كان الموضوع بمثابة عائق مستمرٍّ ولجوجٍ حاولنا أكثر من مرّة مناقشته بطريقةٍ مُجدية وبنّاءة ليؤول بنا المطاف إلى الهروب منه بسبب استحالة الوصول إلى محصلةٍ أو حَلّ. ذكّرتني هذه المناقشات بتاريخي الخاص مع العرقَين الأسود والأبيض، وبمحاولاتي الخاصة لِدَمج المفهومَين أو للتغلب على عليهما، بدءاً بخياري العيش في لبنان، وصولاً إلى «تَبييض» نفسي وترسيخ بياضي. هذا وقد واجهتُ الموضوع مرّة أخرى في لبنان خلال عملي على مشروع مع العاملات المنزليّات المهاجرات في لبنان، والذي تضمَّن لقاءات واتصالات يومية معهنَّ، وضمَّ إليه شبكة واسعة من الأشخاص، وأدّى إلى اكتساب معارف وأفكار ومحفّزات جديدة، وربما أصدقاء جُدُد. خلال تنفيذ المشروع، واجهتُ مرة أخرى موضوع العِرقَين والمفاهيم والديناميّات المتأصّلة والملازمة لهما. إلّا أن المواجهة كانت أقوى هذه المرّة، إذ أنني لم أتصدّى لبياضي، بل وافقت وصادقت عليه، فاستحضرتُ مشاعراً قديمة وأخرى جديدة: الخَجَل، الذَّنب، الغَضَب، والرّغبة المستمرّة في الهروب، وفي «تغيير لوني» أو«تغيير لونهُنَ».

لذا، هذه القصة هي أساساً قصّة عنّي أنا، عن كوني سوداء سِرّاً وبيضاء علانيّة، بل أكثر بياضاً من ذي قبل. هذه القصّة عي أيضاً عن لبنان، وعن العِرقيَن الأسود والأبيض في لبنان، وعن حركيّتهما المكبوحة والصامتة ضمن حركات التّضامن والنضال السّياسي والاجتماعي. هي قصّةٌ عن العلاقة بين العاملات المنزليّات المهاجرات واللبنانيّات التقدميّات صاحبات الوعي السّياسي. هي عن أولئك في لبنان الذين لا يصدرون الأوامر، [بل] يتلقّونها فقط ، أولئك الموجودين على الجانب الآخر في منظومة التّقسيم الدّولي للعمل، أولئك «التابعين» والمحجوبين ومَكتومي الصوت، وإنما الضّروريين لإدارة وتشغيل المجتمع. في هذا السّياق، تطرح هذه المقالة مسألة ما إذا كان من الممكن دَمج الأسود والأبيض في لونٍ رمادي. وهي تجيب عن هذا السؤال بالقول أن الرمادي ليس موجوداً. تتألّف آلة البيانو من مفاتيح سوداء وبيضاء نعزف عليها كما نشاء، وقد ننقر معاً مفتاحاً أسود وآخر أبيض، إلّا أن الصوتين لن يندمجان أبداً، بل سيُسمعان كنوتتَين منفصلتَين مجتمعتَين بفضلِ «جهد مشترك». نحن نتوق إلى بيانو رمادي، نتوق إلى نَغَمٍ مُتسقٍ ومتناغم. لكن لا وجود لبيانو 'رمادي' قادر على إصدار نغمة موسيقّى. وإن حصل واندمجت المفاتيح في مستقبلٍ مثاليٍ يوتوبي، سيظلُّ تاريخ البيانو القديم حاضراً أمامنا، ولا سيّما تاريخ تطوّره.

العاملة على طرف اطار الصورة
ماهر أبي سمرا

002

ما هي الموسيقى وما هي الحقيقة؟:
عن التَّمثيل والسَّيطرة

«الواقع هو أن السُّلطة منتجة، فهي تقوم بإنتاج الواقع، أي بإنتاج مجالات لطقوس الحقيقة وأحوالها. ينتمي الفرد كما المعرفة المُكتَسَبة منه إلى هذا الإنتاج».
(فوكو، المُراقبة والمُعاقبة: ولادة السّجن: ١٩٤).

«يشير مصطلح «تابع» [بالإنجليزيّة: subaltern] إلى أولئك الذين لا يصدرون الأوامر، بل يتلقّونها فقط. وَضَعَ هذا المصطلح الذي أصبح متداولاً اليوم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي كان يتأمّل أحوال من لا ينتمون إلى الطبقة العاملة ومن ليسوا ضحايا الرأسمالية، بل إلى من هم خارج هذا المنطق».
(الحميميّة الشّائكة: مقابلة مع غاياتري تشاكراڤورتي سپيڤاك)

منذ ما يقارب العام تقريباً، اقترحت عليَّ مجموعة من العاملات المنزليات المهاجرات مشروعاً كُنَّ يرغبنَ بإنجازه: إقامة مركز اجتماع ورعاية نهاريّة لأطفال العاملات المهاجرات في إحدى ضواحي بيروت. كُنَّ يبحثنَ عن تمويلٍ للمشروع، وكانت المؤسّسة التي أعمل فيها بمثابة إحدى الجهات المانحة المُحتملة. لم يتحقَّق المشروع لأن أولوياتنا التمويلية كانت تصبُّ في مكانٍ مختلف، ولكننا واصلنا الحوار وقرّرنا القيام بمجموعةٍ من ورش العمل معاً والتفكير في مشاريع أخرى. قمنا بإطلاق تعاون مثمر يتألف من عدّة مشاريع، ورحنا نتأمّل، على شيءٍ من السّذاجة، في ما يمكن تحقيقه في لبنان: التّعبير عن الظُّلم الذي تعاني منه العاملات المنزليات المهاجرات، وإظهاره وتسليط الضوء عليه داخل لبنان وخارجه، والوصول إلى تشكيل رابطة من الأشخاص المتشابهين في التفكير بهدف الكفاح من أجل حقوق تلك العاملات، رابطة تجمع عاملات منزليات مهاجرات و ناشطات أخريات، معاً.

كانت اللقاءات تحدث كل يوم أحد لمدّة ٤ أو ٥ ساعات يوميّاً. وكانت النشاطات تشمل وجبات غداء مشتركة وفعاليات مسرحيّة ونقاشات وورش عمل. ضمَّ المشروع حوالي ٣٠ شخصاً؛ خمس لبنانيّات وحوالي ٢٥ عاملة منزلية مهاجرة من خلفياٍت متنوعة. بعد انتهاء واحدة من تلك الجلسات، راسلتني صديقةٌ لي كانت قد انضمَّت لتوّها إلى المشروع قائلةً: «أردتُ فقط أن أخبرك كَم ذكّرني نشاط البارحة بنيويورك وبكل التنوّع الموجود هناك». أجبتها: «نعم، أستطيع أن أتخيل ذلك. أنا أيضاً أحببت الطاقة المحيطة بالنّشاط». كان هناك الكثير من الصِّدق والحقيقة في هذا الحوار. بالفعل، كانت الاجتماعات ذات طاقة وجوٍّ رائعَين، استطعنا خلالها خَلق مساحة وتجربة تضمّنا «نحنُ»، معاً، حيث بدا الجميع سعيداً وصاخباً ومُرهَفاً بالعاطفة. لا شكَّ أن العاملات المهاجرات استمتَعنَ باللقاءات وكُنَّ مُمتَنّات للمشروع، لأنه وَفَّرَ لهُنَّ حيّزاً للراحة والتبادل والتّعبير. نحنُ أيضاً، اللبنانيات، كنّا سعيدات، فقد وهبنا المشروع أصدقاء وأفكار ورؤىً ومُكابدات جديدة.

لاقى المشروع النجاح ورفع معنوياتنا جميعاً. أن نخلق مساحةً كهذه ونكون جزءاً منها ضمن عالمها الصغير الخاص، هو شكل من أشكال الرَّغَد والسُّرور الخالص. كانت بالفعل لحظة لا يمكن إنكارها أو نسيانها. إذن، هذه ليست هذه واحدة من القصص العديدة حول العنصرية المتأصّلة والتمييز الشديد، كالتي نسمعها في السرديّات المُوَثَّقة بإتقان حول العاملات المنزليات المهاجرات اللواتي تعرَّضنَ للتعسّف والظُّلم وسوء المعاملة في لبنان.

بل هي قصّة توَّلَدَت من نيّة حسنة تسعى إلى توحيد الجهود بين العاملات والأفراد المشاركين في المشروع: توحيد الجهود في صراع يتناول تحديداً هذه الأشكال الهيكلية والفردية للعنصرية والتمييز السائدَين في المجتمع اللبناني. في لبنان، وفي محادثة عائلية عاديّة، يمكن بسهولة تامّة إطلاق تسمية «عَبد» على شخصٍ أسود، إلّا أن الجيل القديم يميل إلى استعمال هذا المصطلح أكثر من الجيل الجديد. هكذا، جميعنا لدينا أصدقاء لا يمنحون «الخادمة» يوم عطلة، ويدعونها تنام على شُرفة المنزل بدلاً من غرفةٍ لائقة. نسمع طوال الوقت تعليقات حَرِجة وغير ملائمة حول تلك الخادمات (حتى ضمن إطار الأقارب والأصدقاء)، ونشهد يوميّاً سلوكيّات تمييزيّة وتعسّفيّة ضدهنَّ، في الشارع كما في الحياة العامة. ولكن من جديد، القصّة هنا مختلفة. فهذه القصة هي عن محاولات للإتحاد والتحالف، عن التضامن والصداقة، وعن ما لم يُقَل في كل هذا. هي ليس اتهاماً أو حُكماً (ذاتياً)، ولا استيضاحاً حول النوايا الحسنة لكل من شارك في المشروع وأسّسنَهُ وحرصنَّ على استدامته، إنما هي عن ديناميّات القوى المحرومة والمكبوحة، وعن التّناقضات والازدواجيّات المتأصلة في اللقاء بين «التّابعين السّود» و«النّخبة البيضاء».

001

خلال المشروع، ظَهَرَ أكثر فأكثر واقع السياق اللبناني الخارجي وقراره العنيف والقاسي المتمثّل بنَزع حقوق ومكانة وقيمة العاملات المنزليات المهاجرات من بلاد أفريقيا وجنوب شرق آسيا. ظَهَرَت أيضاً بديناميات السُّلطة الخاصّة بنا، التي راحت، حتماً، تنسّلُّ ببطءٍ لتمكّنَ وتقوّي نفسها ضمن اللقاءات التي كانت تجري. في البداية، طَرَحَ المشروع أسئلةً عديدة تردّد صداها في داخلي: «من سيتكلّم في الاجتماعات؟»، «من سيضع جدول النشاطات؟»، «هل أنا محترَمة بما فيه الكفاية؟» «هل نصغي إليهنَّ بما فيه الكفاية؟»، «كيف نتعامل مع المشاكل الطبقية؟»، «إلى أي مدى ندخل في واقعهنَّ وندركه؟»، «إلى أي مدى يختلف عن واقعنا؟»، «إلى أي مدى نتعمّق في الحديث عن تبعيّاتنا المتبادلة وعن تاريخنا المشترك؟»، وأخيرًا وليس آخرًا، «إلى أي مدى نُظهِر ونعبّر عن حقيقة كونهنَّ سود وكوننا نحن بيض؟». نحن لبنانيّون بيض لا تقتصرُ امتيازاتنا على يُسرِنا وخياراتنا الفردية فقط، بل هي كامنة فيما هو أعمق من ذلك: نحن من يحق لنا أن نطرح هذه الأسئلة، نحن من نقرّر ما الخطأ وما الصّواب، نحن من نملك شكلاً من أشكال القوّة الجَماعية، نحنُ من نحدّد ما الذي يجب عرضه وإعلانه وما هي الموسيقى التي يمكن للبيانو أن يعزفها.

لم يقتصر بياضنا وقوّته المَخفيّة على طَرح هذه الأسئلة الصامتة فقط، بل بدأ بالظهور خلال لقاءاتنا واتصالاتنا. ظَهَرَ في حِرصِنا وسعينا إلى عدم ممارسة السُّلطة، ظَهَرَ في تجاهل السُّلطة الكامنة في صميم هذا الحِرص وهذا السّعي، وظَهَرَ أيضاً في الممارسة المباشرة لسلطة التَّحَكُّم واتّخاذ القرار ضمن لقاءاتنا و نقاشاتنا الضيّقة، حيثُ أصبح الامتياز مرئيّاً وملموساً، يصعبُ تجاهله أو التغلّب عليه. كانت فكرة المشروع تكمن في توحيد الجهود بهدف تشكيل تحالف يقاوم الإجحاف الهيكلي واليومي الذي تعاني منه العاملات المهاجرات في لبنان، وبهدف مشاركة أفكاٍر ونضالات ومشاعر. تواصلت معنا عاملات كُنَّ ولا زلنَ ناشطات في مجال الدفاع عن حقوقهنَّ. نساءٌ نهضنَ لتقديم أنفسهنَّ وللتكلّم والمقاومة والاحتجاج، في سياقات أخرى خارج مشروعنا ومنذ سنوات عديدة. نساءٌ شاركنَ في المظاهرات وتكلّمنَ ودعمنَ بعضهنَّ البعض. لذا، فإن حياتهنَّ تشبه، وإلى حدٍّ كبير، حياة ناشطاتنا.

الغريب أن سلطتنا بدأت بالظهور عندما بدأت مقاومة الأخريات لها. حوادث صغيرة متعدّدة – كالاستياء من الطعام الأسبوعي الذي كنّا نحضّره، واستثناءنا من اجتماعاتهنَّ وانتقاد قراراتنا ومعارضة آرائنا وعدم تنظيف المكان بعد الاجتماعات التي كانت تحصل في مقّرنا – خلقت بيننا صمتاً مشحوناً بالذَّنب. وعلى الرغم من كونها حوادث صراعٍ عاديّة ومعهودة بين المجموعات، إلّا أن ديناميّات التواصل أدّت إلى حالة من الإنكار ومن السُّكوت والإسكات، وإلى فراغٍ تملأه أسئلة حتميّة وإنما مُنكَرَة حول السّيطرة والتمثيل. هل يمكن للتّابعات التكلّم؟ هل يُسمَح لهنَّ بالتكلّم؟ من يمثّل ماذا؟ من يسيطر؟

«نحن عاملات منزليات. نحن نُجيد التّنظيف»

«نحن لا نطلب أبداً من لبناني أو لبنانيّة أن يصمت/تصمت»
(كريمة، عاملة منزليّة مهاجرة)

«أنا عدوّتك. أنا طيّبة وأهلي كانوا طيّبين، لكن لا يمكن لجيلَين إلغاء تاريخ عمره آلاف السنين»
(الحميميّة الشّائكة: مقابلة مع غاياتري تشاكراڤورتي سپيڤاك)

«أشعرني ذلك بالغضب،
ملأني بالحقد والشّفقة معاً،
وأشعرني بالخزي والعار»
(جيمس بالدوين، لستُ زُنجيك: ١٢)

الشّيطانُ يكمنُ في التّفاصيل، ويصبح مرئياً عندما نقرّر عدم تجاهله. لم تتوصّل آحادنا المشتركة إلى معالجة الاختلافات في نمط الحياة والروتين والتّحديات والمشاكل الخاصة «بنا» و«بهنَّ». كما أنها لم تتوصّل أيضاً إلى معالجة التّبعيّات والعلاقات المتبادلة بيننا ضمن هذه الاختلافات خارج تلك الآحاد.

أثناء مشاركتها في المشروع، توفّيَ زَوج إحدى العاملات بشكلٍ مفاجئ بعد تعرّضه لنوبة قلبية في الفلبين. لم تضطر لاقتراض المال من أجل السّفر إلى الفلپّين وحضور جنازته فقط، بل أيضاً لدَفع فواتير المستشفى المعلّقة والتي وصلت قيمتها إلى ما يقارب ٦٠٠٠ دولار أميركي. قَضَت هناك عشرين يوماً لتعودَ أرملةً، تاركةً ورائها إبنَين مراهقَين بحاجةٍ إلى دعمها المادّي والمعنوي. تحتَّمَ عليها رَصد مدخولها لتأمين تكاليف دراسة ولدَيها وتسديد ديونها وضمان معيشة أسرتها. كانت تتحدّث مع ولدَيها يوميّاً عبر الهاتف من أجل مساعدتهما في التغلّب على موت والدهما، بينما كانت هي نفسها في حالة حدادٍ، تتفجّعُ موت رجٍل بالكاد عاشت بقربه، قام بتربية ولديهما بمفرده أثناء عملها في لبنان.

خَسِرَت عاملة منزلية أخرى تبلغ من العُمر أكثر من ٦٠ عاماً عملها بصورٍة مفاجئة، فاضطرت إلى الخروج من منزل مشغّليها لتصبح منذ تلك اللحظة بدون راتب ولا سقفٍ يؤويها، تنام في بيوت أصدقاء لها أو أيّ شخصٍ يؤمّنُ لها مأوىً لفترةٍ من الوقت. لا تزال في هذه الحالة حتّى اليوم. أُجبِرَت عاملة ثالثة على ترك ابنتها البالغة من العمر تسع سنوات بمفردها في المنزل بعد عودتها من المدرسة، ذلك لأن السيّدة التي كانت تعمل لديها خلال النهار رفضت وجود طفٍل في منزلها. كانت تضطر أحيانًا إلى النوم في منزل مشغّلتها تاركًة الطفلة بمفردها طوال الليل. تلك هي القصص التي كنّا نسمعها عندما نسأل عن المصاعب التي تواجهنها النساء المجموعة... هناك قصصٌ أخرى لم نستطِع سماعها. تغيَّبتْ يوماً إمرأة من الكاميرون كانت تواظبُ على حضور اجتماعات الآحاد، عندما سألنا عن سبب غيابها، عَلِمنا أنها رُحِّلَت إلى الكاميرون بعد أن تمَّ القبض عليها بسبب عدم حيازتها أوراق قانونية تخوّلها العيش في لبنان. لم نكُن حتّى على علمٍ بذلك.

في نفس تلك الفترة تقريباً، بدأتُ نشاطًا تجاريًا مع مجموعة من الأصدقاء، كانت إحدى أعضاءه لبنانيّة تنتظر مولوداً، بينما كانت تمرُّ أخرى بحالة حداد إثر وفاة أحد أقاربها وتغيير وظيفتها، وانفصل صديق لبناني لنا عن حبيبته. بعد بضعة أشهر، بدأنا بالتذمُّر من عدم التمتّع بنهار الأحد كيوم عطلة، ومن جودة الطعام ومن حرارة الطقس في بيروت، وأحياناً من صُداع الكحول بعد ليلة سبت. تتفاوتُ الحَيَوات وتتباين؛ تختلفُ الأولويات والتسهيلات والتجارب والإمكانيّات والأحداث من شخصٍ لآخر. مع ذلك، لا شك أن الاختلافات بين حياتنا نحن (اللبنانيّات) وحياتهنَّ (العاملات المنزليّات المهاجرات) لا تتعلّق فقط بالأولويات أو التسهيلات أو التجارب، فهي اختلافاتٌ يحدّدها موقعهنَّ الدّوني مقابل موقعنا السلطويّ. هنا، لا تملك العاملات المهاجرات إمكانيّة الاختيار.

ماذا كنتُ أشعر إزاء ذلك؟ بالخَجَل؟ بالعجز؟ بالذَّنب؟ بالضُّعف؟ بالغضب أحياناً؟ نعم، كل هذا، كل مرّة بدرجة مختلفة. حاولت التغلب على هذه المشاعر، حاولت إظهار تعاطُفي وتضامني ورأفتي، حاولتُ مدَّ يَدِ العَون. ولكنني حاولت أيضاً أن أنكر وأن أنسى وأتناسى وألّا أصغي أو أفكّر في شعور تلك النّساء عندما ينظرنَ إلى حياتي. لا بدَّ أنهن شعرنَ بالغضب والكُره والعجز عندما أدركنَ ما هي الحقوق والامتيازات التي أتمتّع بها. إلّا أن القضيّة تُعنى بأكثر من هذه الاختلافات فحسب. فقد كانت هذه النساء حاضراٍت أيضاً ضمن علاقة متبادلة خارج السياق الذي قررنا توحيد جهودنا فيه. هذا أننا خارج سياق نهارات الأحد، 'نحنُ'، نعتمد تماماً على قوتهنَّ العاملة الرخيصة والبسيطة وغير المرئية، و'هُنَّ' يعتمدنَ تماماً علينا في منحهنَّ عملاً وفي استعمال سلطتنا لنعاملهنَّ باحترامٍ وَوِدّ. بعض هذه النساء ينظّفنَ بيوت أشخاصٍ نعرفهم و يعتنين بأطفاٍل نعرفهم. تشكّلُ العاملات المهاجرات جزءًا حيويًا من منظومة عمل مجتمعنا واستمتاعنا بامتيازاتنا، هي منظومة لا حيلة لهنَّ فيها إلّا بالاعتماد على طيبتنا وحسن نوايانا – سواء كنّا أصحاب عمل أو كُفلاء أو واهبين أو شُركاء أو حتّى أصدقاء.

في أحد الأيام، اشتكيتُ لإحدى النساء من عدم قيام المجموعة بتنظيف المكان بعد الاجتماع، وذكّرتها بأن تقوم بذلك في المرّة المقبلة. نظرت إليَّ بمزيجٍ من السُّخط والإهانة والعار، وقالت: «بالطبّع سننظّف، نحن عاملات منازل، نحن نُجيد التَّنظيف». كانت هذه إحدى الحوادث النادرة التي تنتقل فيها الاختلافات الحتميّة وديناميّات السّلطة من كونها مخفيّة ومحجوبة ومُغوِية، لتطفو على السَّطح جَلِيّةً قاطعة. وَضَعَت هذه الحادثة كل واحدة منّا الاثنتَين في مكانها الحقيقي، خارج محاولات التّضامن والصّداقة. لم يكن هذا طلباً عادياً بين مجموعتين تتشاركان مكان عملهما، وحصل أن إحداهما لم تقم بتنظيفه. هذه هي العلاقة التي تجمعنا، هكذا أعلنتها العاملة المنزليّة المهاجرة بأسلوبها الصريح والحسن النيّة على الأرجح. 'أنا' هي التي تصدرُ أمراً بالتَّنظيف، و'هي' التي عليها أن تنظّف 'من أجلي' والتي تُجيد التَّنظيف 'من أجلي'. 'أنا' هي البيضاء و'أنتِ' هي السوداء. لونان لا يزالان يحدّدان، بشكلٍ لا يمكن تجنّبه، مرتبتنا وطبقتنا ومكانتنا.

004

«لا يمكنك القيام إلّا بالكثير..»: عن جَعل المَخفي مرئياً

«الواقع هو أن السُّلطة منتجة، فهي تقوم بإنتاج الواقع، أي بإنتاج مجالات لطقوس الحقيقة وأحوالها. ينتمي الفرد كما المعرفة المُكتَسَبة منه إلى هذا الإنتاج»
(فوكو، المُراقبة والمُعاقبة: ولادة السّجن: ١٩٤).

«لم أفكر يوماً في مدى فظاعة العلاقة بين عازف الموسيقى وآلته. عليه أن يملأ تلك الآلة بنفس الحياة، بنفسه. عليه أن يجعلها تفعل ما يريده هو أن تفعل. أما البيانو فهو مجرّد بيانو. هو مصنوع من الخشب والعاج والأسلاك والمطرقات الصغيرة والكبيرة. وبينما لا يوجد إلّا الكثير ممّا يمكن القيام به، تبقى الطريقة الوحيدة للاكتشاف هي المحاولة، محاولة جَعل البيانو يقدّم كل ما لديه»
(جيمس بالدوين، بلوز سوني: ٤٦)

أنا أكتب هذه الكلمات اليوم، في أيلول العام ٢٠١٨، بينما لا يزال البيانو الرمادي غير موجود. على الرُّغم من مرور عقدٍ كاملٍ على النضال من أجل حقوق الأشخاص الملونين، وعلى الرُّغم من التغيير الذي حصل في ديناميات السلطة في العديد من السياقات السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية، يبقى السؤال عمّا إذا كان للتّابعين الحق في الكلام، جارياً ومُعلّقاً دون إجابة. ليس وجود العاملات المنزليّات الأجنبيّات في العديد من البلدان، بما فيها لبنان، إلّا مثالاً واحداً على ديناميكيات السُّلطة المُمَنهَجة والتمييزية والمُجحِفة، حيثُ مفهوم العرقَين الأسود والأبيض ملازمٌ ومتأصّل. مع ذلك، فقد حصل تغيير ما، كما يلاحظ بالدوين:

«لقد أحدث الزّمن بعض التغييرات في الوجه الزّنجي. لم ينجح أي شيء في جعل ذلك الوجه يشبه وجهنا، إلّا أن الرّغبة العامة تبدو وكأنها تصبو إلى إفراغه وجعله لالَونيّ [بهدف] غسل [الماضي] تماماً من الوجه الأسود الذي كرّسناه».

نحاول دمج الأسود والأبيض، نحاول توحيد القوى وإيجاد صراع مشترك لكي نعزف على البيانو معاً ولكي نؤلّف معاً مقطوعة تُشرِكُ جميع المفاتيح. وبينما نعزف المقطوعة، يجب أن نكون مدركين لحقيقة أن النّضال هو أساسًا نضال الشعب الأسود للحصول على حقّه الأساسي في «الرَّفض». يتمثّل دورنا كأفراد بيض ذوي امتيازات وملمّين وناشطين سياسياً، في السعي إلى منحهم هذا الحَق والموافقة عليه. لكن، كأفرادٍ بيض علينا أيضاً أن نتذكّر أن «البيانو هو مجرّد بيانو»، وأنه يتألّف من مفاتيح بيضاء وسوداء، وأنه «لا يوجد إلّا الكثير ممّا يمكن القيام به». لذا، فإن تضامننا ودعمنا ونضالنا المشترك له أيضاً حدوده المتجذّرة في مفاهيم اللاعدالة والهيمنة والتَّبعيّة والتَّمثيل – هي حدودٌ نعبّر عنها صمتاً في ما لا يُرى ولا يُسمَع، وفي المرفوض والمُنكَر.

«في الصّميم، يبقى الحقُّ الأوّل هو حق الرَّفض»

اليوم، لا يمكن للتّابعة أن تتكلّم لأنه ليس هناك من يُصغي إليها. رغم ذلك، يمكنها أن تبدأ بالقتال من أجل حقّها في الرَّفض، وذلك من خلال الفعل، أي أن تكسر الصَّمت ليصبح صوتها مسموعاً. لكن ليس هذا هو هدف هذه المقالة، فأنا لا أتكلّم عمّا يمكنهنَّ 'هُنَّ' فعله، بل عمّا يمكننا 'نحنُ' فعله وقوله وعدم قوله. لا يمكننا 'نحنُ'، التكلّم 'عنهُنَّ' أو 'لَهُنَّ'. ما يمكننا ويجب علينا فعله هو أوّلاً التكلّم عن أنفسنا ولأنفسنا، وأن نحاول «تغيير المستوى» ، أي أن نخاطب أنفسنا كَبيْض بدلاً من مخاطبتهنَّ كَسُوْد. يمكننا القيام بذلك أيضاً من خلال «قياس الصَّمت» بيننا، قياس ما لا يُقال وما يُرفَضُ أن يُقال في العلاقة معهن، لكي نجعل المَخفي مرئيّاً والمُنكَر ملموس. وعلى نحو صراع العاملات المهاجرات من أجل الحصول على حَق الرَّفض، فقد تكون عمليّة قياس الصَّمت و«إعلاء الصَّوت» مُضنية وعنيفة، لكن «الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي المحاولة. محاولة جَعل البيانو يعزف كل النّغمات الممكنة».

Family_ch2Hero

العرق ونظام الكفالة

كتابة
سمية قاسم علي

رسوم
گلرخ نفيسي

لطالما حاول الفلاسفة فهم العلاقة المتشابكة بين السيد والخادم، المخدومين والخدم . لماذا قسمت المجتمعات أنفسها مرارا بين هؤلاء الذين يَخدمون وأولئك الذين يُخدمون ؟ ما الذي يجعل هذه الهرمية قابلة للبقاء؟ اعتمدت الثقافات بتنوعها تقسيمات عدة لتقرر على أساسها من سيقوم بأي عمل: كالطائفة والطبقة والعرق والدين والجنس بشكلٍ خاص. لكن، الخطوة الأولى في فهم الخصوصية العنصرية في سياق نظام الكفالة هي إدراك أن العمل المنزلي ليس نوعا عاديا مثل أي عمل. بل هو العمل الرعائي: العمل الذي يجعل بقية الأعمال الأخرى ممكنة.1التنظيف والطبخ والعناية بالمرضى - تعليم اللغة - القوت العاطفي والفكري والجسدي. هذا العمل هو ما تشير إليه النسويات الماركسيات على أنه إعادة إنتاج اجتماعي. ليس العمل المنتج للقوى العاملة ، ولكن العمل الإنتاجي الذي يجعل القوة العاملة نفسها ممكنة ؛ سواء الآن أو في الأجيال القادمة. عبر السياقات الاجتماعية المتنوعة ، فقد تم إخفاءه كشكل من أشكال العمل ، ونزل إلى المجال الخاص وتضاءل باعتباره عمل نسائي.

في الواقع، ليست جميع أنواع الخدمة ذات طبيعة عنصرية. هناك بالطبع طرق عدة يتم عبرها إخفاء العمل المنزلي أو جعله في مرتبة أدنى، حتى عندما يقوم به أفراد في مجتمع مشترك2غالبًا ما تم التقليل من قيمة العمل بالتنظيف نظرًا لقربه من الأوساخ، سواء كان تنظيف الأشياء أو تنظيف الأماكن أو تنظيف جثث الموتى، وحقيقة أنه يطمس الحدود التي تميّز عبرها المجتمعات ماتدعوه عالمة الأنثروبولوجيا ماري دوغلاس بـالنقاء والخطر. ومع ذلك ، فإن ما يعتبر قذرًا يرتبط بالعمق بالأعراف الثقافية، إذ لم يكن تنظيف المساحات المنزلية دائمًا ممارسة سيئة السمعة. في أجزاء كثيرة من العالم وبشكلٍ متعارفٍ عليه تقوم النساء الأفقر بمهام تربية الأطفال وطهي الطعام وتنظيف المنازل لجيرانهن الأكثر ثراءً. في هذه السياقات، كان من الشائع أن تسافر مثل هؤلاء النساء إلى منازل الأثرياء لفترة محددة من الوقت خلال النهار ثم يعدن إلى منازلهن مساءا، ليقمن في الغالب بالأعباء ذاتها لأسرهن. ولكن على الرغم من الفجوة الواضحة بين الأغنياء والفقراء، فإن هذه الأمثلة، سواء كانت من أمريكا اللاتينية أو جنوب آسيا أو القارة الأفريقية، لم يتم تنظيمها وفقًا للاختلافات العرقية الصريحة التي يمكن وصفها بأنها "بيضاء" مقابل "سوداء". مؤخرًا فقط لم تعد النساء المسؤولات عن الاهتمام بالأعمال المنزلية للفئات الأكثر ثراءً في المجتمع تشتركن معهن بالحي ذاته أو الثقافة أو اللغة. مع صعود الصناعة الخدمية المنزلية العالمية ، شهدنا ظهور تمييز جديد بين "المواطنين الأصليين" الذين تتم خدمتهم وأولئك "الأجانب المهاجرين" الذين يخدِمون.
كما نوقش في الأقسام السابقة ، حدث التحول من العمالة المنزلية المهاجرة الإقليمية إلى العمالة المنزلية الإفريقية والآسيوية في لبنان خلال فترة الحرب الأهلية، تحديدًا عبر الروابط التي نشأت بين لبنان وصناعة النفط الآخذة في الاتساع في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى3في الواقع، وتمامًا مثل أولئك اللبنانيين الذين يعملون في القارة الأفريقية والذين أرسلوا فتيات أفريقيات صغيرات إلى الوطن للمساعدة، أحضر العديد من اللبنانيين الذين هاجروا إلى الخليج أثناء الحرب عاملات المنازل معهم إلى لبنان عند عودتهم، مستغلين هزالة الضوابط القانونية في ذلك الوقت. في العقود اللاحقة، حين أصبح وجود عاملة منزلية ما يسميه فواز طرابلسي الحد الشرطي الأدنى للانتماء إلى الطبقة الوسطى، استمرت أعداد النساء الأفريقيات والآسيويات في لبنان بالازدياد، وكذلك أنواع العنف التي يتعرضن لها.
. اليوم، يبدو لبنان فريدًا في المنطقة بوصفه بلدًا يتجلى فيه التداخل التام بين فئة السادة/والسكان الأصليين. وفئة عمال الخدمة المهاجرين/ والأجانب. في النهاية وعلى الرغم من أن دول الخليج هي بمثابة موطن حيوي لأجيال وأجيال من السكان ذوي الأصول الجنوب آسيوية ومن طبقات اقتصادية مختلفة، هل سمعنا يومًا بوجود مئات من رجال الأعمال الهنود الناجحين يعيشون ويعملون في لبنان؟

كيف إذن نحكي قصة العرق والكفالة في لبنان؟ واحدة من الشروحات لقصة العنف الاستثنائي الذي تتعرض له عاملات المنازل المهاجرات هو حقيقة بغاية البساطة: "العنصرية". هنا ، في هذا السياق تُفهم العنصرية بوصفها التمييز والعنف المرتكب على أساس لون البشرة. في النهاية، نظام الكفالة هو أحد الأنظمة التي أصبح خلاله ممكنًا حصر وجود النساء السوداوات والبنيات بالعليات ومخازن المطبخ وإقفال الثلاجة وعد قطع الخبز وربط اليدين بأسلاك الكهرباء. النساء أنفسهن اللواتي يُطلب إليهن طهي الطعام وتغيير ملاءات الأسرة وحفاضات الأطفال وتحميم الآباء المسنين لأولئك الذين يتم تمييزهم بوصفهم متمتعين ببشرة فاتحة. لكني أود اقتراح نهج مختلف. أفضل طريقة لفهم الفرق بين "الأسود" و"الأبيض" هي عبر استيعاب التالي: العرق ليس أمرًا "طبيعيًا" والعنصرية ليست مجرد تعبيرٍ عن السلوك السيئ. كلا، العرق والعنصرية هما ما يشير إليهما علماء الاجتماع بوصفهما مبنيين اجتماعياً. أي أشياء موجودة في العمليات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فلنضع في اعتبارنا الأسئلة التالية. هل اللبنانيون بيض؟ هل كُل اللبنانيين بيض؟ ماذا عن العرب الآخرين؟ هل السوريون والفلسطينيون سود في لبنان وبيض في سوريا وفلسطين؟ هل الفلبينيون أكثر بياضًا من السريلانكيين؟ وهل الإثيوبيون أكثر سوادًا من البنغلاديشيين؟ لماذا النموذج الذي استخدمه مكتب زين لوصف عاملات المنازل السريلانكيات لأصحاب العمل المحتملين يدرج أولاً لون البشرة كميزة ذات صلة بقابليتهم للتوظيف، ثم يصف بعض النساء السريلانكيات بأنهن "فاتحات"؟ هل المدام اللبنانية التي قامت بـ"برونزاج" غامق هي "أفتح" من عاملة خدمة سريلانكية "فاتحة"؟ ما العلاقة هنا بين فاتح و غامق؛ البني والأسود؛ آسيا وأفريقيا ؛ سيدة وخادمة؛ عربي وأبيض؟

WhiteLebanese_1

واحدة من أفضل الطرق لفهم عملية التمييز العنصري هذه هي من خلال مصطلح "سيريلانكية" ، وهو اختراع لغوي خلاب لنظام الكفالة. كيف أصبح ممكنًا للمصطلح العربي "أنثى سريلانكية" أن يمثل فئة الخادمة ذاتها؟ إن كلمة "سيريلانكية" ليست مجرد مثالٍ على العنصرية باعتبارها مسألة تمييز على أساس لون البشرة الداكن. بدلاً من ذلك، يتعلق الأمر بإيجاد صلة بين "الأجانب" - نوع من الأجنبة ينقلها لون البشرة ولكن أيضًا اللغة والعادات مثل الطعام واللباس ومجموعة مرتبطة من الصور النمطية الثقافية - وفئة "الخدم" ذاتها. "سريلانكية" هو ما تسميه النسوية فئة تقاطع، فئة تتعلق في نفس الوقت بالعرق والجنس والطبقة. هذا ما يجعل من الممكن توسيع نطاق تعريفها من كلمة تصف جنسية المرأة إلى كلمة تصف نوع العمل الذي تقوم به هذه المرأة: النوع غير المرئي، والذي يتقاضى أجرًا ضئيلًا، والذي يتعرض للتمييز، والنوع الذي يجعلها عرضة للاستغلال والاعتداء.

على الرغم من أن مصطلح "سيرلانكية" هو المصطلح الأكثر ارتباطًا بخدم المنازل المهاجرين، إلا أن بوسعنا العثور على نمطٍ مشابهٍ من الاستخدام خلال حديثنا اليومي. عندما نستخدم كلمة "إثيوبية" أو "بنغلادشية" في لبنان اليوم ، هل يربطها المتحدثون بجانب واحد من تاريخ إثيوبيا أو بنغلادش أو السياسة أو الجغرافيا أو الثقافة؟ هل نفكر في مكانة إثيوبيا الفريدة في القارة الأفريقية كدولة لم يتم احتلالها بالكامل من قبل قوة أوروبية؟ أو بالتقليد الشعري المذهل والأدب والسينما والموسيقى التي تتميز بها بنغلاديش اليوم؟ من الواضح أن الإجابة هي: لا . هذا هو الفارق الأكبر بين عاملات المنازل اليوم في لبنان والنساء السوريات ، والفلسطينيات ، واللبنانيات ، والمصريات ، وحتى الكرديات اللاتي سبقهن. قد يكون لقول "سوريا" في لبنان دلالاته التمييزية ، لكنها لا تزال فئة يمكن استخدامها للإشارة إلى أنواع مختلفة من النساء. ومن ناحية أخرى ، فإن "سيريلانكية" و "إثيوبية" لا تنطوي على احتمال مماثل. بدلًا من ذلك، تشير إلى تطور فئة عرقية جديدة تأتي من العمالة المنزلية المهاجرة في لبنان. أن تكون "سريلانكيًا"، وليس امتلاكك لبشرة داكنة أو جواز سفر أجنبي فحسب، هو ما يعنيه أن تكون أسودًا في لبنان اليوم. حسناً لكن ما الذي يعنيه أن تكون أبيضًا؟ نظام الكفالة ليس البنية الوحيدة التي ارتبطت من خلالها الهوية اللبنانية الحديثة بالبياض. فلنفكر بتاريخ تجارة الرقيق العثمانية وأثرها المحسوس حتى اليوم على الفئات الدينية والقانونية في المنطقة. فلنفكر بالظل الطويل لفرنسا في تطور لبنان الحديث، والدور المركزي الذي تلعبه النخبة المحلية التي لا تزال تعتبر لبنان أوروبيًا ومسيحيًا وليس عربيًا أو مسلمًا. فلنفكر بحركة الأيديولوجيات الفاشية والآرية من ألمانيا وإيطاليا إلى حزب الكتائب في منتصف القرن العشرين. فلنفكر في الربط الشعبي اللبناني بين الجمال والبشرة البيضاء من جهة، والهوس الصيفي بالتسمير المثالي على شاطئ البحر من جهة أخرى. كيف تتشابك كل هذه الصور والارتباطات والتمثيلات معًا لخلق تصور شعبي سائد حول اللبنانيين/ات بصفتهم بيضًا؟4فلنفكر بـالوجه الأسود لـ جورج أسمر حين لعب دور عامل مهاجر من جنوب آسيا يُدعى دارا في البرنامج التلفزيوني بيت خالتي  أواخر الثمانينيات ، أو بـ نادي أبو شبك حين انتحل شخصية عاملة منزلية أفريقية في برنامج MTV Menna and Jerr مؤخرًا في عام 2019.
WhiteLebanese_2

في الآونة الأخيرة، أولت المنح الأكاديمية في الشرق الأوسط اهتمامًا متزايدًا بموضوع العرق والعنصرية. كجزء من حديثٍ عالمي حول مناهضة السواد، وعقدت سلسلة من المؤتمرات والحوارات والحوارات العامة حول أنواع معينة من مناهضة السواد التي تميز الشرق الأوسط الحديث، من السودان إلى الصحراء، ومن إيران إلى اليمن. من بين الأسئلة التي يتم طرحها: ما هي حالة المصطلحات التي تبدو عنصرية مثل "عبيد" في أجزاء مختلفة من المنطقة؟ كيف تم تهميش تجارب الأقليات العرقية لأنها لا تتناسب مع صورة ما يعنيه أن تكون، على سبيل المثال، تركية أو كويتية؟ كيف نعترف بأهمية المجتمعات المنحدرة من "العبيد"، أو من طرق التجارة والهجرة السابقة التي سبقت القوميات الحديثة؟ من خلال هذه المحادثات، أصبح من الواضح بشكل متزايد أنه بينما لا يمكننا ببساطة تطبيق الأطر الغربية للعبودية والسود وتفوق البيض في المنطقة، من المهم أيضًا التعرف على التداول النشط للأفكار التي رافقت حركة الأشخاص والبضائع عبر أوروبا. الاستعمار والرأسمالية العالمية. وهذا يعني أنه حتى حين لا يعني السواد الشيء ذاته في لبنان والولايات المتحدة ، فإن هذا لا يعني عدم وجود تداخل.5فوجئت في الواقع عندما علمت أنه في أوساط الأكاديميين السود المقيمين في الولايات المتحدة ، يُشار بانتظام إلى نظام الكفالة في كل من دول الخليج ولبنان كمثال رئيسي على مناهضة السواد في الشرق الأوسط.

WhiteLebanese_3

كيف إذن سنفكك هذه الطبقية العرقية؟ الإصلاح ليس حلا هنا. نظرًا لتطوره على مدى العقود الأربعة الماضية ، رسخ نظام الكفالة نفسه في كل جانب من جوانب المجتمع اللبناني ، من وحدة الأسرة إلى هندسة المنزل، من التمثيلات التلفزيونية للصور النمطية الشائعة حول رائحة المرأة السريلانكية أو كيف تتحدث المرأة الإثيوبية بالعربية. وكلما ذهبنا أبعد فأبعد في الأمة اللبنانية، لا في الحياة المنزلية الخاصة فحسب، ولكن أيضا في القضاء العام والأحاديث العامة نجد الدلائل على كيف أصبح نظام الكفالة مركزيًا لما يعنيه أن تكون لبنانيًا. جزء ممما يعنيه هذا كما رأينا، هو أن تكون أبيضًا. ليس أبيضًا بوصفه لونا للجلد -على الرغم من أننا لم نبتعد تمامًا عن "البشرة"-ولكن الأبيض كموقع للقوة الاجتماعية.

WhiteLebanese_4

أن تكون أبيضًا يعني أن تكون قادرًا على معاملة عاملة المنزل بأي طريقة تختارها، ومع ذلك، كما يوضح نزار صاغية تمامًا ، تتمتع بإفلات تام من العقاب. أن تكون أبيضًا هو أن تَحمِل سُلطة الدولة في أفعالك كمواطن. أن تكون أبيضًا يعني أن تكون قادرًا على تغيير اسم عاملة المنزل لأنه من الصعب لفظه، ثم تمضي قدمًا في نسيانك الأسماء المختلفة لجميع النساء المختلفات اللاتي أدى عملهن إلى بقاءك وعائلتك على قيد الحياة. أن تكون أبيضًا يعني أن تفكر في العاملة المنزلية على أنها "لك". أن تكون أبيضًا يعني أن تبني مطبخًا ثانيًا بحيث لا تحتاج إلى مواجهة هذه المرأة أثناء عملها ، لأنه أمر مزعج للغاية. أن تكون أبيضًا يعني أن تقول: "سريلانكيتي من الفلبين" أو أن تشكو من كون "الأفارقة منحلين جنسيًا أكثر من اللازم"، أو أن تعد المرأة السوداء بدفع أجرها في حين أنك لا تنوي فعل ذلك، لأنك لا تعتقد أنها شخص له شيء ما يخصه. لإنهاء هيكل التفوق الأبيض هذا إذن، يجب أن ننهي الكفالة. يجب أن نبني لبنانًا ينظف فيه الجميع بيوتهم، حتى نجد طريقة للعيش مع بعضنا البعض لا تعتمد على الاستغلال.